محافظة حضرموت تلك الرقعة الشاسعة التي تستحوذ على أكثر من ثلث مساحة اليمن (ما يعادل 34.1%) ليست مجرد رقمٍ جغرافيّ، إنّها سجلٌّ مفتوح يدوّن الإنسان فيه منذ نحو أربعة آلاف سنة معنى الحياة بين كثيبٍ ومرفأٍ ووادٍ أخضر.
وعلى بُعد 794 كيلومترا من العاصمة اليمنية صنعاء، تتربّع المحافظة على عرش “التنوّع” في الطبيعة والمناخ والذاكرة، كأنها خريطة مصغّرة لكل ما يمكن أن يهبه اليمن لمحبّيه من دهشةٍ وثراء، وشكل تأريخيها جزء من الإرث الحضاري اليمني.
مكانتها الجغرافية والتأريخية تجعلها وجهة سياحية فريدة، حيث تنقسم إلى مناطق ساحلية، وأودية، وصحراء، ما يجعلها واحدة من أهم وأغنى المحافظات اليمنية من حيث المقومات السياحية والطبيعية والثقافية.
وكانت حضرموت أيضا مهدا للحضارة ومركزا للإشعاع الثقافي والديني في تاريخ البشرية، إذ شكّلت عبر العصور الأولى لبنة أساسية في بناء الحضارة الإنسانية، ومنطلقا لرسالة المحبة والسلام إلى كثير من شعوب العالم، مازالت تعرف هذه الآثار إلى الآن.
في هذا المقال المطول نستعرض مقومات السياحة الريفية في محافظة حضرموت، ونقدم لمحة شاملة عن الجغرافيا والتضاريس والمواقع الأثرية والتأريخية والطبيعية الجاذبة للسياحة في المحافظة الغنية والأكثر مساحة في البلاد.
مواضيع مقترحة
-
السياحة في شبوة: سواحل ووديان لها تأريخ ومعالم عتيقة
-
أرخبيل سقطرى: الجوهرة الطبيعة وثروة اليمن الخفية
-
مأرب.. الجوهرة السياحية العتيقة المهملة في اليمن

نبذة تأريخية
قبل أن تنبعث رائحة النفط أو ضجيج المحركات البحرية، كان اللبان الحضرمي يقطع الصحاري والبحار متّجها إلى معابد روما وأثينا والقدس، وحمل هذا البخور المجبول بعرق القوافل، اسم حضرموت إلى العالم القديم بوصفها “أرض الأنبياء والقديسين”.
عرفت مملكة حضرموت القديمة بعاصمتها شبوة، وكان لها صيت واسع في كتب اليونان والرومان، كما ورد ذكرها في الكتب السماوية ودوّنتها النصوص الكلاسيكية بوصفها مركزا للثراء والتقدم. في كتب التراث، ارتبطت حضرموت بقصص عاد وثمود، وديار الأحقاف التي وردت في القرآن الكريم مثل هود وصالح.
ومع مطلع القرن الثالث الميلادي، شهدت تحوّلا في مسارها السياسي، إذ تحالفت مملكتها مع ممالك سبأ وذي ريدان، لتصبح تحت راية “ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت”، الذي بسط سلطته على مناطق اليمن الكبرى، وفي أواخر العصر الجاهلي، اتخذت مملكة كندة من وادي حضرموت مركزا لها، قبل أن تتوجّه شمالا.
وفي التأريخ الإسلامي كانت حضرموت جزء من أقاليم عصور الدول الإسلامية المتعاقبة، وفي القرن الثامن عشر ميلادي برز تشكل دويلات في اليمن، وتقاسمت السلطنتان الكثيرية والقعيطية نفوذ حضرموت، إذ كانت مدينة سيئون مقرا لسلطنة الكثيري، ممتدة في أرجاء الوادي، فيما كانت المكلا عاصمة سلطنة القعيطي، التي سيطرت على مناطق الساحل.
ولم تخلُ العلاقة بين السلطنتين من الصراع والانقسام وعزز ذلك الاستعمار البريطاني، وعانى السكان من تداعيات الحروب الداخلية ما دفعهم للهجرة إلى جنوب شرق آسيا وأفريقيا، وهناك انصهر الحضارم في مجتمعاتهم الجديدة، وأثروا فيها دينيا وثقافيا واقتصاديا.
وامتد التأثير إلى الفنون المعمارية، حيث اندمجت العمارة الطينية والفنية الحضرميّة مع أساليب البناء في الحضارات الأخرى، ما انعكس بوضوح في معالم مثل منارة المحضار، وقصور تريم وسيئون، وناطحات الطين في شبام، المعروفة بـ”منهاتن الصحراء”.
وبعد الاستقلال من الاستعمار البريطاني (1967م) كانت حضرموت ضمن جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، تحت مسمّى “المحافظة الخامسة”، لكن ومع اعتماد تسمية المحافظات بأسمائها التاريخية، استعادت اسمها الأصيل “حضرموت” الذي ظل محفورا في ذاكرة التاريخ لأكثر من 3500 عام.
حضرموت كوجهة سياحية متكاملة
تتوزع جغرافية حضرموت على 28 مديرية، تختلف فيها التضاريس والمناخ ما يمنحها تنوّعا بيئيا فريدا، ففي الصحراء، يسود المناخ المداري الحار، بينما تتمتع الهضاب والأودية بمناخ قاري جاف، يكون معتدلا خلال فصل الشتاء، في حين تتسم السهول الساحلية بمناخ حار صيفا ومعتدل شتاء، ما يجعلها وجهة سياحية جذابة مدار العام.

يمكن تقسيم حضرموت إلى ثلاث مناطق رئيسية وفقا للطبيعة الجغرافية، وهذا ينطبق أيضاً على الرغبة السياحية لدى أي زائر إلى حضرموت، وخاصة أولئك المهتمين بالبيئة والطبيعة.
- المناطق الساحلية: تضم شريطا ساحليا طويلا يمتد على البحر العربي، وتحتضن مدنا ساحلية متميزة مثل المكلا والشحر، وتتميّز بشواطئها الذهبية، وموانئها النشطة، وأسواقها البحرية، كما تُعدّ موطنا مهما للصيد البحري.
- مناطق الوادي والهضاب: وتمثل القلب الزراعي والثقافي لحضرموت، إذ تنتشر فيها الواحات الخصبة والمدن التاريخية كسيئون وتريم وشبام، وتشتهر بعمارتها الطينية وأسواقها القديمة وتراثها الديني الغني.
- المناطق الصحراوية: وهي تمتد شرقا وغربا وتشكل ما يُعرف بصحراء حضرموت، حيث الطبيعة البكر والصمت المهيب والكثبان الرملية التي تتماهى مع السماء، مما يجعلها وجهة مثالية لمحبي المغامرة وسياحة الصحراء.
ويمنح هذا التنوع حضرموت فرصة استثنائية لتكون وجهة سياحية متكاملة، تلبي تطلعات الباحثين عن الطبيعة، والهدوء، والتاريخ، والتراث في آنٍ معا، ومع وجود رؤية تنموية متوازنة، يمكن تحويل هذا التنوع إلى رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وهنا سنورد بشكل مفصل أبرز المواقع السياحية في المناطق الثلاث بمحافظة حضرموت، سواء كانت طبيعة أو تأريخية أو معالم وآثار قديمة، بالإضافة إلى تفاصيل الإرث الثقافي الديني الذي يعد جزء مهم.
أولا: ساحل حضرموت الممتد على شواطئ البحر العربي
يعدّ ساحل حضرموت القلب النابض للحياة الاقتصادية والتجارية، فقد عرف منذ القِدم كمركزٍ مهم للنشاط الملاحي، ويمتد اليوم على طول 450 كيلومترا، وفيه 6 مديريات مطلّة مباشرة على مياه البحر العربي.
ويزخر هذا الشريط الساحلي بعدد كبير من المواقع التاريخية والمزارات السياحية ذات القيمة الثقافية والجمالية الفريدة، من أبرزها:
-
مدينة المكلا
مدينة المكلا هي مركز محافظة حضرموت، وتُعدّ من أهم الموانئ اليمنية المطلة على البحر العربي. كانت تعرف قديما باسم “الخيصة” أو “بندر يعقوب”، وتأسست المدينة على يد صيادين وبدأت في النمو مع قيام الإمارة الكسادية (1115هـ – 1704م) واشتهرت حين نقل السلطان القعيطي مقر حكمه من الشحر إلى المكلا عام 1915م بدعم من الاستعمار البريطاني.
تتميز المكلا بطراز معماري فريد في أحيائها القديمة يمزج بين الأصالة اليمنية والتأثيرات القادمة من فنون جنوب شرق آسيا، نتيجة التبادل التجاري والثقافي، وما تزال المدينة القديمة محتفظة بجمالها وروحها التراثية.
أما المكلا الحديثة، فقد توسعت في مختلف الاتجاهات، وأصبحت مدينة متكاملة من حيث البنية التحتية والخدمات، وتعتبر اليوم من أهم الوجهات السياحية الشاطئية في اليمن، تستقبل الآلاف من الزوار خلال مواسم الإجازات.

-
خور المكلا
خور المكلا هو أحد المشاريع السياحية والبيئية الحديثة أضفى على المدينة بعداً جمالياً جديداً، تم افتتاح المرحلة الأولى 2005م، ورغم أن المشروع لم يُستكمل بجميع مراحله، إلا أن ما تحقق منه قد غيّر شكل المدينة.
الخليج البحري الجديد عبارة عن لسان بحري صناعي متصل مباشرة بالبحر العربي، يمتد في عمق المدينة بطول 1.5 كيلومتر، ويبلغ عرضه 95 مترا عند المنفذ البحري، وعلى ضفتي الخور تتوزع خدمات سياحية متنوعة، وتم بناء عدد من الجسور للمشاة والمركبات.
وقد أصبح الخور علامة مميزة في المكلا، يجذب الزوّار ويمنح المدينة إطلالة بانورامية ساحرة على امتداد البحر العربي.
-
قصر السلطان القعيطي
يقع قصر السلطان القعيطي شامخا عند مدخل مدينة المكلا من الجهة الرئيسية، فوق لسانٍ بحري يطل مباشرة على مياه البحر العربي، كان يُعرف قديما باسم “بدع السدة”، وقد شيّد في عام 1925م في عهد السلطان غالب بن عوض القعيطي.
يتكوّن القصر من ثلاثة طوابق، تحيط به أسوار عالية، وصُمم بأسلوب معماري فريد يمزج بين عناصر مختلفة من الفنون المعمارية، وأصبح اليوم إلى متحف أثري وسياحي، يُعرض فيه تراث السلاطين، ويستقطب الزوّار والباحثين.

-
متحف آثار المكلا
يُعدّ متحف آثار المكلا أحد أهم المعالم الثقافية في المدينة، ويتألف من قسمين رئيسيين:
- الأول: يضم مجموعات نادرة من القطع الأثرية، والنقوش، والعملات التي تعود إلى ما قبل الميلاد، إضافة إلى مكتشفات من العصر الإسلامي، جمعتها بعثات أثرية يمنية بالتعاون مع بعثات فرنسية وسوفيتية خلال تنقيباتها في مدينة شبوة القديمة ووادي حضرموت.
- الثاني: يحتوي على موروث السلطنة القعيطية، مثل قاعة العرش السلطاني، وجناح استقبال الوفود، وقاعات الاجتماعات الرسمية، ومجموعة من التحف النادرة، أبرزها كرسي العرش المصنوع من الفضة، وتحف مطرّزة بالذهب.
يمثّل هذا المتحف منارة معرفية مهمة، يقصده الزوّار والدارسون للاستمتاع بتاريخ حضرموت الغني والمتعدد الأوجه.
-
حصن الغويزي
يقع حصن الغويزي على تلة صخرية عند المدخل الشمالي الشرقي لمدينة المكلا، شيّد عام 1716م في عهد سلاطين الإمارة الكسادية، وكان الغرض الأساسي منه مراقبة التحركات العسكرية القادمة من الشمال أو الشرق، وتحصيل الضرائب على البضائع.
الحصن مكوّن من طابقين، وبُني من الطين المخلوط بالتبن، ويجاوره صهريج مياه منحوت في الصخر، ويُعتبر اليوم من أبرز المعالم التاريخية، إلا أنه يواجه خطر الإهمال والتدهور بفعل عوامل الزمن، ما يستدعي جهودا لحمايته وترميمه.
-
المكتبة السلطانية
تقع المكتبة السلطانية في قلب مدينة المكلا، فوق سقف مسجد عمر التاريخي، وقد أسسها السلطان صالح بن غالب القعيطي عام 1941م، ورفدها بمجموعة ضخمة من الكتب والمراجع التي كانت تصله من الهند، باللغتين العربية والإنجليزية.
بعد الاستقلال عام 1967م، تغير اسمها إلى “المكتبة الشعبية” وكانت تحتوي على أكثر من 12 ألف عنوان في شتى المجالات العلمية والأدبية، أما المخطوطات القديمة التي كانت جزءا من إرثها، فقد نُقلت لاحقا إلى مكتبة الأحقاف في مدينة تريم للحفاظ عليها.
وماتزال المكتبة تؤدي دورها الثقافي والمعرفي، حيث يرتادها الباحثون وطلاب الجامعات، وتضم قاعة دراسة كبيرة مزوّدة بالتجهيزات الحديثة.

السياحة البحرية: سحر الشواطئ وتنوع التجارب
تتجلى روعة مدينة المكلا، في شواطئها الخلابة التي تشكل متنفسا سياحيا رائعا ومقصدا للاستثمار في السياحة البحرية، فقد تحوّلت هذه الشواطئ إلى رافد اقتصادي واجتماعي كبير، عبر مجموعة من المشاريع الترفيهية التي تنبض بالحياة.
تمتد كثير من المنشآت السياحية على شواطئ منطقة “خلف” المطلة مباشرة على البحر العربي، وتُعدّ من أبرز الوجهات لعشاق الأنشطة الترفيهية والرياضات المائية، وعكست في تفاصيلها جزءا من التراث في انسجام بين التاريخ والحداثة.
وباتت مدينة المكلا اليوم وجهة متكاملة لعشاق البحر والأنشطة الشاطئية، وتستحق أن تُدرج ضمن أهم المحطات السياحية في اليمن.
-
نجم البلدة السياحي
يُعدّ مهرجان نجم البلدة من أبرز الفعاليات الموسمية التي تحتضنها المكلا سنويا، حيث تُقام فعالياته على ساحل الحوض، أحد أجمل شواطئ المدينة، ابتداء من 15 يوليو وحتى نهاية الشهر.
ويعتمد المهرجان على ظاهرة بحرية طبيعة نادرة تُعرف محليا باسم “نجم البلدة”، حيث يضرب التيار البارد سواحل البحر العربي، فتنخفض درجة حرارة مياه البحر بشكل ملحوظ في مناطق محددة، ومنها شاطئ المكلا.
ويعتقد الأهالي بفوائدها العلاجية للاستشفاء من أمراض المفاصل والروماتيزم باستخدام طرق علاج تقليدية تعتمد على الاستحمام بمياه البحر والرمال الساخنة، وهناك مثل شعبي حضرمي قديم يعبر عن ذلك “غسلة في البحر بنجم البلدة تغنيك عن حجامة سنة”.

وبسبب تزايد إقبال الزوار على الشاطئ خلال هذه الفترة، أعلنت السلطات عام 2004م إلى تنظيم مهرجان نجم البلدة بشكل رسمي، ليصبح أول مهرجان في اليمن يتمتع بطابع الاستدامة من حيث التمويل والتنظيم والتسويق.
ويشمل المهرجان أنشطة فنية ورياضية وثقافية، وتحظى مدينة المكلا خلال هذه الفترة بإقبال واسع من السياح من مختلف محافظات اليمن والدول المجاورة، ما ينعكس على انتعاش الحركة الاقتصادية فيها.
-
غيل باوزير
تقع مديرية غيل باوزير إلى الشمال الشرقي من المكلا (38كم) وتُعدّ من المناطق الزراعية الخصبة، وتشتهر بمساحاتها الخضراء، وتتخللها غيول مائية طبيعية، تُستخدم لري الأراضي عبر قناة حُفرت خصيصا لهذا الغرض.
تشتهر غيل باوزير بإنتاج أفضل أنواع التبغ اليمني المعروف بـ”التبغ الغيلي”، إلى جانب زراعة الحناء وتحيط بها غابات من النخيل وأشجار جوز الهند، ما يجعل منها لوحة طبيعية ساحرة.
ويوجد فيها آثار تعود للسلطنة القعيطية، منها “حصن السلطان” و”قصر الباغ”، ورغم تحويل بعض هذه المباني إلى مرافق حديثة، إلا أنها تواجه خطر الانهيار بفعل غياب الصيانة والترميم، مما يهدد بفقدان جزء مهم من الذاكرة المعمارية للمنطقة.
-
عين الحومة
تقع عين الحومة في مديرية غيل باوزير، وهي من أهم المعالم الطبيعية في المنطقة، وتتكوّن من حفرة دائرية في صخور الأرض بعمق 12 مترا، وقطر فوهتها نحو 13 مترا، تنبع منها المياه بشكل طبيعي.
ويُرجح أن العين تكونت بفعل سقوط نيزك قبل آلاف السنين، ومنها تنطلق قناتان صخريتان نُحتتا يدويا: الأولى بطول 5 كيلومترات تتجه نحو مزارع الغيل، والثانية بطول 2 كيلومتر تتجه إلى قرية القارة.
وبالرغم من انخفاض منسوب المياه، إلا أن الجهد الهندسي المبذول في نحت القنوات وسط الصخور يُعدّ إنجازا بشريا فريدا، ساهم في استمرار الحياة الزراعية في المنطقة، وزاد من جمالها الطبيعي، وجعل منها وجهة سياحية بامتياز.
-
مدينة الشحر
تقع مدينة الشحر شرق المكلا (62 كم) وهي بوابة حضرموت البحرية على المحيط الهندي، وعاصمة السلطنة القعيطية الأولى قبل انتقال الحكم إلى المكلا، وكانت عبر العصور مطمع للغزاة بسبب موقعها الاستراتيجي، وعرفت بعدة أسماء تاريخية، غير أن اسمها الحالي ظل هو الأكثر شهرة، وارتبط به نوع من اللبان النادر يُعرف باسم “اللبان الشحري”، لا يزال يُتداول حتى اليوم.
كما توسعت العلاقات التجارية لميناء الشحر قديما مع موانئ الهند وفارس وشرق إفريقيا، وكان نقطة عبور مهمة، وتعرّض للغزو البرتغالي عام 1522م، ثم للهولنديين والبريطانيين لاحقا.
وفي العصر الحديث، ومع اكتشاف النفط في قطاع المسيلة، تم تجهيز ميناء الضبة النفطي الواقع على أحد شواطئ الشحر، كـ مرفئ لتصدير النفط الخام منذ عام 1993م، ومن أبرز المعالم السياحية والتاريخية في الشحر:
- بقايا سور المدينة: كان يحيط بالمدينة من ثلاث جهات، تاركا الجهة البحرية مفتوحة، وله بوابتان رئيسيتان: سدة الخور (غربا) وسدة العيدروس (شمالا) كما توجد بقايا قلاع مثل: حصن بن عياش، قصر عبود، وحصن المصبح.
- كورنيش الشحر: أُنشئ بمحاذاة الشارع الرئيسي للمدينة، وافتُتحت مرحلته الأولى عام 1924، وشارك في تصميمه ثلاث مهندسات يمنيات، ويعد نموذجا فريدا في النظافة والجمال، ووجهة رئيسية لسكان المدينة وزوارها.
- مواقع المياه العلاجية: تنتشر حول الشحر ينابيع مياه حارّة ذات خصائص علاجية، يزورها الناس للاستشفاء بطرق تقليدية. من أبرز هذه المواقع: تبالة، الحامي، وصويبر.
-
الديس الشرقية وشاطئ شرمة
تقع الديس الشرقية شرقي مدينة الشحر(50كم) وتضم: حصون تاريخية وقلاع قديمة، ينابيع حارّة، مساحات خضراء من النخيل، شواطئ مدهشة أبرزها: شاطئ شرمة، شاطئ شرمة (جنة الغواصين)، يتكوّن من ثلاث مناطق رئيسية:
- الشاطئ الغزي: حوض مائي عميق تحيطه مرتفعات صخرية من ثلاث جهات، ما يجعله محميا طبيعيا ومناسبا للغوص والرياضات البحرية.
- الشاطئ الرملي الأبيض: يمتاز برماله البيضاء النقية، وهو بعيد عن التلوث البيئي، ويُعتبر موقعا مهما لتكاثر السلاحف.
- الجزيرة المقابلة: تبعد مسافة 2 كم عن الشاطئ الغزي، وتُعد امتدادا بيئيا يستحق الدراسة والتأهيل السياحي، وتحتاج إلى دراسات علمية وتهيئة سياحية منظمة لاستغلال إمكاناته الكبيرة كوجهة فريدة على خارطة السياحة البيئية.

ثانيا: حضرموت الوادي والهضبة
تُعرف منطقة الوادي والهضبة باسم “حضرموت الداخل”، وهي إحدى أهم مراكز الحضارة اليمنية القديمة، وموطن الإنسان الأول منذ العصر الحجري الباكر (الباليوليت)، وتُعد من أغنى مناطق اليمن بالثروات الزراعية والحيوانية.
يُعد وادي حضرموت أكبر وديان اليمن، تتفرع منه أودية جنوباً مثل: دهر، رخية، عمد، دوعن، العين، عينات، تنعة، سنا، وشمالا: هينين، نعام، سد، جعينة، الجون، وعلى امتداد ضفافها نشأت العيون المائية والأراضي الخصبة التي شكلت بيئة مثالية لنشوء حضارات قديمة.
ونشأت مملكة حضرموت القديمة فيها، والتي كانت الأغنى والأقوى بين ممالك اليمن القديم، وهنا نورد أبرز المعالم السياحية والتاريخية في حضرموت الوادي والهضبة.
-
مدينة سيئون
ذكرت سيئون في النقوش اليمنية القديمة، ووصفتها المصادر التاريخية بأنها مدينة عظيمة ومقر لحضارات حمير وكندة، (تبعد عن المكلا 320كم) أعلنتها السلطنة الكثيرية عاصمة لها منذ القرن الخامس عشر الميلادي، وتُعد اليوم أكبر مدن حضرموت.
تُحيط بسيئون المرتفعات وغابات النخيل، وتتميز منازلها بطابعها المعماري التقليدي، المبني من اللبن المخلوط بالتبن، وغالبا ما تكون متعددة الطوابق.
وأبرز معلم في المدينة قصر السلطان الكثيري (حصن الدويل)، والذي يُعدّ المعلم التاريخي الأبرز في مدينة سيئون، ويقع في مركزها فوق مرتفع بعلو 30 مترا يُشرف على سوق المدينة. تم بناؤه في عهد السلطنة الكثيرية، وشهد خلال القرون الماضية تحسينات حتى أصبح على شكله الحالي عام 1925م.
يتكوّن من 16 مبنى ملحقا و90 غرفة ويحتوي على متحف للآثار أُسس عام 1983م، يضم قطعا أثرية، أدوات إنسان ما قبل التاريخ، تماثيل، ونقوش عُثر عليها في مغارة القزة قرب الهجرين، إضافة إلى معروضات من حفريات ريبون ومناطق أخرى في وادي حضرموت.
كما يضم قسما للموروث الشعبي، وقاعة لعرض مقتنيات سلاطين الكثيري، ومسرحا مفتوحا شُيّد عام 1982م، وتعرضت أجزاء من الجدران والسور الشمالي بدأت تتعرض للتآكل والانهيار نتيجة الإهمال وغياب الصيانة، ما يُهدد أحد أهم معالم التراث الحضرمي.

وأيضاً يوجد ضريح المهاجر أحمد بن عيسى شرق مدينة سيئون (10كم) ويقع في مرتفع بجبل “شعب الحسيسة الشرقي” ويُعدّ الضريح من المحطات والسياحية المهمة، وقد بُني بصورته الحالية على يد سلطان الأولياء عبد الله بن أبي بكر العيدروس (840هـ- 1436م).
وصاحب الضريح هو شخصية روحية في الذاكرة الحضرمية هاجر من العراق إلى اليمن، يتكون الموقع من: الضريح في أعلى الجبل، مسجد في الأسفل، وبئر ماء، وطريق مرصوف متعرج يربط المسجد بالضريح، مطليّ باللون الأبيض النقي، كل هذه العناصر تجعل الموقع محطّ أنظار الزوار والسياح، لما يحمله من جمال معماري فريد.
-
مدينة تريم الغنّاء
تقع تريم شمال شرق سيئون (35كم) وتذكر في النقوش اليمنية كمدينة تاريخية، واشتهرت بمكانتها الروحية منذ ما قبل الإسلام، حيث كانت مركزا لطقوس الحج القديم إلى قبر النبي هود، وموقع سوق هود ضمن أسواق العرب قبل الإسلام.
كما كانت مركزا لملوك كندة، ومن أهم القلاع والحصون فيها “حصن النجير” و “حصن العر”، وتُعرف اليوم بأنها منارة دينية وعلمية، تحتضن مكتبات ومعاهد علمية مرموقة، التي تُعد من أهم مراكز البحث العلمي في اليمن.
ومن أهم معالم تريم السياحية والتاريخية:
- مسجد ومنارة المحضار: بُني على يد العالم الجليل عمر المحضار، ويعود بناؤه بصورته الحالية للعام 1925م، وعمارته الفريدة تتميز بمنارة شاهقة مربعة الشكل تعد الأطول في اليمن، وزخارف إسلامية داخلية وخارجية، وبني بالكامل من اللبن المخلوط بالتبن.
- مكتبة الأحقاف: تأسست عام 1970م، وتحتل الدور الأول من جامع تريم. تحتوي على أكثر من 5300 كتاب ومخطوطة، وتُعد كنزا علميا للباحثين في مختلف العلوم.
- قرية عينات: تبعد 8 كم شرق تريم، وتشتهر بقبابها السبع ومزاراتها الدينية، وتُعتبر جزءا من البرامج السياحية الدينية والثقافية.
- قرية قسم: تبعد 17 كم شرق تريم، وتُحيط بها غابات نخيل كثيفة، وتضم: قصر قيس بن يمان: نسخة من قصر السلطان الكثيري في سيئون، وقصر ابن إبراهيم السقاف: تحفة معمارية فريدة بالزخارف.

-
ضريح النبي هود
يقع ضريح النبي هود شرقي مدينة تريم (100كم) عند سفح جبل في منطقة تُعرف بـ”شِعب هود”، على يمين الطريق المؤدي إلى مديرية ثمود، وتُعد زيارة هذا الضريح أكبر مناسبة دينية سنوية في حضرموت، يشارك فيها عشرات الآلاف من الزوار من داخل اليمن وخارجه.
ويبدأ الزوار الوصول ما بين 8 و 15 من شهر شعبان، الذي كان يُعرف قديما بشهر “هود”، وفي اليوم الحادي عشر من ذات الشهر تعرف بـ”الوقفة” يجتمع الزوار عند سفح الجبل، ويُقال في الموروث “من أدرك الوقفة فقد أدرك الزيارة”، وتتميز هذه المناسبة بمزيج من الشعائر الروحانية الصوفية.
وهناك عدد من المعالم الدينية المحيطة بالضريح تحمل أهمية روحية وتاريخية، وأبرزها: سوق هود التاريخي، والصخرة الكبيرة التي كان يُعتقد أنها ناقة متحجرة، بئر التسليمة يعرف بملتقى أرواح الأنبياء، بئر برهوت ارتبط في التراث الشعبي بمستقر الكفار والجن، والنهر الخالد الذي يُستخدم للاغتسال والتطهر وبجري طوال العام.
جميع هذه المعالم أعيد تجديدها بداية القرن 17 الميلادي، وتتم صيانتها سنويا، بما في ذلك القبة البيضاء، مباني الزوار، والطريق المرصوف بالحجارة المطلية باللون الأبيض (النُّورة) وتُقام الأسواق، والعروض التراثية، وسباقات الهجن، والتواشيح الصوفية المصحوبة بإيقاعات موسيقية ومُساجلات شعرية.
-
مهرجان سباق الهجن في تريم
في يوم 16 شعبان من كل عام، وبعد انتهاء زيارة ضريح النبي هود، يُقام في مدينة تريم مهرجان سباق الهجن، الذي يُعدّ ختاما شعبيا وروحانيا لهذا الموسم الديني، ويشارك فيه أكثر من 100 هجان يتم اختيارهم بناء على مهاراتهم وزينة الجمال أو النوق.
والمهرجان يُجسّد الارتباط التاريخي بين الإنسان الحضرمي والإبل، ومن خلال هذا الحدث، يتم ترشيح النياق التي ستشارك لاحقا في مهرجان المزاينة والمحالبة في صحراء أثوب بمحافظة المهرة المحاذية لمحافظة حضرموت.
-
السياحة الدينية في حضرموت
تُمثّل السياحة الدينية في حضرموت واحدة من أنشط الحركات المجتمعية النابعة من مشاعر روحية عميقة وتراث ديني عريق، وتُدار شعبيا دون تدخل من السلطات، ويوجد في حضرموت أضرحة الأنبياء هود وصالح بالإضافة إلى عشرات من مقامات وأضرحة ما يعرف بـ”الأولياء”.
تتخلل هذه الزيارات الابتهالات والتواشيح والأناشيد الصوفية، وتُقام حولها أسواق شعبية لبيع المنتجات المحلية والمواشي والصناعات اليدوية، مما يضيف لها بعدا اقتصاديا واجتماعيا، وتستمر بضعة أيام، ويحرص الأهالي على ترميم الأضرحة وتجديد طلائها سنويا، مما يضمن استمراريتها كرموز دينية وسياحية متألقة.
-
مدينة شبام
تقع شبام في منتصف وادي حضرموت تبعد نحو 20 كم عن مدينة سيئون وبُنيت فوق تل يرتفع 25 مترا، وكانت تُعرف قديما باسم الدمنة أو الصفراء، وكانت مركزا إداريا وتجاريا مهما في مملكة حضرموت.
وتُعتبر أقدم نموذج للمدينة العامودية في العالم، بمنازلها المتلاصقة التي يصل ارتفاع بعضها إلى 8 طوابق، بُنيت من اللبن المخلوط بالتبن، وتضم حوالي 500 منزل، وفي عام 1984م أعلنتها اليونسكو مدينة تراث عالمي، وتتضمّن القائمة: شبام القديمة، السور، مناطق السحيل، شقيه، خمير، السباخ، والمزارع المحيطة.
رغم الترميمات، تعرضت المدينة لأضرار كبيرة في فيضانات 2008 الشهيرة، لكنها لا تزال جوهرة الوادي الحضرمي، ومن أبرز معالمها: سور المدينة (أعيد بناؤه في القرن السادس عشر) الجامع الكبير (القرن العاشر) حصن شبام (القرن الثالث عشر).
-
مدينة القطن
تقع القطن غربي مدينة سيئون (42كم) وتعد ثاني أكبر مدن الوادي، كانت في العصور القديمة خط تماس بين السلطنتين الكثيرية والقعيطية، تتميز بمنازلها المبنية من اللبن والتبن.
ومن وأهم معالم مدينة قطن، حصن القعيطي، وسوق الزيارة السنوي، على هامش مناسبة ضريح العلامة عمر بن عبد الله الهدار (15 جمادى الآخرة)، وقرى حوره، هينين، العجلانية.
بالإضافة إلى ضريح النبي صالح والذي يقع في سفح جبل شعب عسنب بوادي سر، وهو أحد أبرز معالم السياحة الدينية في القطن، تحيط به مساكن وبئر مياه، ويُزار سنويا من قِبل المريدين وسكان القرى المجاورة.
قرية “حيد الجزيل” في وادي دوعن، #حضرموت، جوهرة تاريخية مبنية على صخرة شاهقة، تعكس حضارة #اليمن القديمة.#ريف_اليمن pic.twitter.com/XX5BXyfHjk
— ريف اليمن Reef Yemen (@Reefyemen1) January 18, 2025
-
مدينة حُريضة
تقع جنوب غرب سيئون بمسافة 105 كم، وهي المركز الإداري لمديرية دوعن، بُنيت فوق أنقاض مدينة مذاب الأثرية، إحدى مدن مملكة حضرموت القديمة. من أبرز آثارها معابد الإله “سين” إله القمر، الذي كان المعبود الرسمي لمملكة حضرموت.
وتعد قبيلة “حضرموت” التاريخية من أقدم سكانها، وكلمة حريضة هو اسم لبطن من قبيلة حضرموت، ثم سكنتها وحكمتها قبيلة “كندة “، وذكر المؤرخ الطيب بامخرمة “سميت حريضة باسم قبيلة حضرموت ويسكنها السكون من كندة”.
-
وادي دوعن
يُعدّ وادي دوعن من أهم الأودية السياحية في حضرموت، ويشتهر بغابات النخيل وعسل دوعن الشهير والذي يعد من أجود أنواع العسل اليمني، وهناك أغنية شهيرة للفنان الراحل أبو بكر سالم عن عسل الوادي “منك يا عسل دوعن”.
ينقسم إلى الوادي الأيمن الأيسر، ومن أبرز قرى الوادي السياحية: قيدون، صيف، حيد الجزيل (يضم منتجعا سياحيا شهيرا) بضه، هدون، رشيد، رحاب، سيده، رباط باعشن، قرن باحكيم، تطل جميعها على غابات النخيل الخلابة، وتشكل لوحة فنية تؤكد إبداع الإنسان الحضرمي وتكيفيه مع البيئة.

-
قرية الهجرين
تقع الهجرين جنوب غرب سيئون (100كم) وتُطلّ على مدخلي وادي دوعن، وبنيت على مرتفع صخري بلون ينسجم مع الجبال، وتُعرف بكثرة مساجدها.
هذه الظاهرة المعمارية تعود إلى ارتباط الحضارم بالهجرة والروحانية، حيث كان المهاجر يبني منزله عند عودته ومن ثم يبني مسجد.
تتميز القرية بموقعها الفريد على مرتفع صخري يشرف على مدخلي الوادي الأيمن والأيسر، ويمنحها إطلالة خلابة على غابات النخيل المحيطة بها، ومشيدة من الطين، وتتماهى ألوانها مع الصخور المحيطة، مما يمنح القرية طابعًا بصريًا مميزًا.
الهجرين تُعد من أعرق مدن حضرموت، وكانت قاعدة لمملكة كندة، وموطنًا للشاعر الجاهلي امرئ القيس. كما أنها تضم آثارًا تعود للعصر الحميري، وتجاورها مستوطنة ريبون التاريخية التي تعود لما قبل القرن السابع قبل الميلاد.
تقع ريبون عند مدخل وادي دوعن، وتُعد من أقدم مدن وادي حضرموت، ويعود تاريخها إلى ما قبل القرن العاشر قبل الميلاد. وأجرت بعثة يمنية-سوفيتية أعمال تنقيب من 1984م حتى 1988م، واكتُشفت فيها: بقايا معابد وقصور، وشبكات ري وقنوات تصريف، وأدوات وقطع أثرية معروضة في متحف سيئون.
-
مغارة القزة
تقع بالقرب من الهجرين (تُعرف أيضا باسم دمّون)، وفي عام 1984م، قامت بعثة يمنية-سوفيتية بحفريات علمية كشفت عن طبقات جيولوجية بها عظام متحجرة لحيوانات ضخمة، وأدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم (الباليوليت).
ويرى مهتمون بالآثار، أن هذه الاكتشافات تمثل دليلا قاطعا على أن وادي حضرموت كان موطنا للإنسان الأول، وتُضيف قيمة أثرية وعلمية وسياحية بالغة لليمن.
ثالثا: صحراء حضرموت الكنز المنسيّ
تمتد الصحراء الحضرمية عبر ست مديريات صحراوية شاسعة هي: رماه، ثمود، قف العوامر، زمخ ومنوخ والعبر، وحجر الصيعر، ومساحتها تُقدّر بـ 106,132 كم مربع، وتمثل نحو 56 بالمئة من إجمالي مساحة محافظة حضرموت.
ومع ذلك لا يسكنها سوى عشرات الآلاف من السكان، معظمهم من البدو الرحّل وقلة من الحضر، يتمركزون على جانبي الطرق الصحراوية الأسفلتية التي تربط، شحن (المهرة) بـ تريم (حضرموت)، وتقاطع العبر بـ منفذ الوديعة الحدودي الدولي مع المملكة العربية السعودية.
ويعكس هذا التوزيع السكاني الضئيل اختلالات تنموية حادة تعود إلى غياب رؤية استراتيجية شاملة للتنمية في الصحراء، واستمرار النظرة الرسمية التقليدية التي تعتبر الصحراء أرضا مقفرة، مجهولة، لا جدوى منها.
وتكشف فجوة التنمية والإهمال الاستراتيجي آثار التصور المبني على أساطير قديمة وخرافات بدائية تجاه الصحراء، تتجاهل تماما التغيرات المناخية والتحولات العلمية العالمية التي حولت الصحاري إلى واحات تنموية في دول عديدة.
هل يمكن الاستفادة من الصحراء؟
تمتاز الصحراء الحضرمية بموقعها الجغرافي البعيد عن بؤر التوتر، ما يمنحها فرصة نادرة للانطلاق نحو تنمية شاملة، خاصة أنها قريبة من تجارب تنموية ناجحة في الدول المجاورة، مثل، مشروع الحزام الأخضر العظيم في الصين، أو السياحة الصحراوية الحديثة في السعودية، سلطنة عمان، الإمارات، المغرب وغيرها.
وهناك فرص تنمية متعددة في الصحراء، حيث أن الصحراء ليست أرضا ميتة، بل بيئة خصبة للاستثمار في مجالات متنوعة مثل: السياحة البيئية والصحراوية، الزراعة الحديثة (الزراعة بالري العميق والتقنيات الذكية)، الطاقة الشمسية والمتجددة، البنية التحتية الرقمية والاتصالات.
وقد أثبتت التجارب الإقليمية أن الصحراء يمكن أن تتحول إلى روافد اقتصادية مستدامة إذا ما تم تأهيل الخبرات والاستعانة بتجارب الدول الأخرى على مستوى العالم، يمكن أن تتحول هذه المساحات الشاسعة إلى جزء من التنمية.
السياحة الصحراوية
تضم الصحراء الحضرمية عددا من المواقع المؤهلة لأن تكون من أبرز الوجهات السياحية في اليمن والمنطقة، وفي مقدمتها ما يُعرف بـ “المثلث الصحراوي”، وهو ملتقى حدودي فريد يربط، حضرموت والمهرة من الجنوب، المملكة العربية السعودية من الشمال، سلطنة عمان من الشرق والشمال الشرقي.
هذا الموقع الاستراتيجي يتيح فرصة نادرة للتعاون الإقليمي في مجالات السياحة والاقتصاد والطاقة، خاصة إذا تم تطويره بشراكات دولية. وتشير المؤشرات إلى أن هذه المنطقة يمكن أن تتحول إلى نقطة جذب عالمية.
ويمكن أن تكون البرامج السياحية ثرية في الصحراء، في التخييم ومشاهدة النجوم والكواكب بصفاء والتأمل، بالإضافة إلى المغامرات البرية، إلى جانب ذلك تدشن فعاليات ثقافية ورياضية تقليدية مشتركة مع دول الإقليم.
-
مهرجانات بدوية سنوية
رغم غياب الجهد الرسمي، تشهد مناطق متعددة في الصحراء مهرجانات بدوية سنوية تُقام بجهود مجتمعية وشعبية، تعبّر عن الارتباط العميق بثقافة الإبل والجمال والنوق التي توارثها السكان عبر الأجيال.
هذه المهرجانات تمثل تراثا حيا نابضا بالعادات والأعراف القبلية الأصيلة، ورمزا للوحدة المجتمعية والتكافل في بيئة صحراوية قاسية، وهي وسيلة لتجاوز الحواجز النفسية والحدودية مع دول الجوار.
وتُقام هذه الفعاليات تحت مظلة القيم والثقافة المشتركة، بعيدا عن التعقيدات الرسمية، مما يعزز من دور الصحراء كجسر للتواصل الإنساني والتجاري والثقافي بين المجتمعات الحدودية.
خاتمة
تمثل حضرموت، بكل تنوعها الجغرافي والثقافي، لوحة متكاملة من التاريخ العريق، والثراء الحضاري، والفرص التنموية الكامنة، وتبرز في الروح الحية للمجتمع وقدرته الحفاظ على هويته الأصيلة، ومواصلة إنتاج المعنى والهوية في وجه كل التحديات.
فمن وادي حضرموت والهضبة التي تحتضن أرض الإنسان الأول، إلى الساحل الحضرمي الذي يروي قصة الملاحة والتجارة عبر العصور، مرورا بصحراء حضرموت التي لا تزال تنتظر من يستثمر إمكاناتها المذهلة التي تعد نموذج مصغر لتاريخ اليمن.
هناك إمكانية في حضرموت أن تتحول إلى مركز حضاري وسياحي واقتصادي، يربط الماضي العريق بالمستقبل الواعد، وتحتاج أن تدرج ضمن أولويات الدولة والقطاع الخاص، وتُصمم لها استراتيجيات تنموية مستدامة تُراعي خصوصيتها وتستثمر مزاياها.
المراجع
– الكاف، سقاف علي. حضرموت عبر 14 قرنا. مكتبة أسامة، بيروت، الطبعة الأولى، 1991م.
– الصبان، عبد القادر محمد. زيارات وعادات – زيارة نبي الله هود عليه السلام.
– باذيب، عمر أبو بكر. “قلعة الوادي شبام”، مجلة الحكمة اليمانية، العدد 125، 1985م.
– المركز الوطني للمعلومات. اليمن أرقام وحقائق.
– الجهاز المركزي للإحصاء – 2004.