التفاطير الرمضانية في حضرموت: تقليدٌ عريق يصارع الغلاء

"التفاطير" أكثر من مجرد وجبات بل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية

التفاطير الرمضانية في حضرموت: تقليدٌ عريق يصارع الغلاء

"التفاطير" أكثر من مجرد وجبات بل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية

يتميّز شهر رمضان في محافظة حضرموت (شرقي اليمن) بأجوائه الخاصة التي تعكس أصالة المجتمع الحضرمي، وترابطه الاجتماعي؛ من خلال عادات وتقاليد رمضانية فريدة، من أبرزها عادة “التفاطير”، وهي دعوات تجمع الأقارب والأرحام والجيران والأصدقاء على مائدة الإفطار والعشاء، وتبدأ هذه العادة من الليلة الثالثة من رمضان وتستمر طوال الشهر الكريم.

ونظرًا لتكرار انعقاد هذا التقليد، أصبح معروفًا في معظم مناطق وادي حضرموت أن ليلة معينة من كل عام مخصصة للإفطار عند عائلة محددة؛ مما يعزز روح التآلف والتواصل بين أفراد المجتمع، وبهذا، يتميّز الإفطار في حضرموت بطابعٍ جماعي؛ حيث يجتمع الجيران والأقارب لتقاسم الطعام في أجواء تسودها المحبة والمودّة، كما تُقام صلاة التراويح في أجواء روحانية مميزة تعكس الطابع الإيماني للشهر الكريم.

التفاطير الرمضانية

تشير التفاطير الرمضانية إلى موائد الإفطار الجماعية التي تنظمها الأسر في البيوت، أو المؤسسات الخيرية، أو المجتمعات المحلية في المساجد والساحات العامة خلال شهر رمضان المبارك. وإضافةً إلى الامتثال لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “من فطّر صائمًا كان له مثل أجره”، تُعدُّ هذه الموائد وسيلة لتعزيز الروابط الاجتماعية؛ حيث يجتمع الناس من مختلف الطبقات والفئات لتناول الإفطار في أجواء من الألفة والمودة.


      مواضيع مقترحة


تقام التفاطير بطرق مختلفة، فمنها ما يكون على نطاق الأسر والأقارب؛ حيث يتجمع أفراد العائلة وأقاربهم في بيت العائلة الكبير، ومنها ما يكون على مستوى الحي أو المسجد؛ حيث يُحضِّر السكان أطباقهم، ويشاركون الطعام مع بعضهم البعض. وهناك أيضًا التفاطير التي تُنظمها الجمعيات الخيرية لمساعدة الفقراء والمحتاجين، أو التي تنظمها المؤسسات لموظفيها.

منذ وعى الجيل الحالي والتفاطير تقام سنوياً، فهي تقليد توارثته الأجيال منذ القدم وصولا إلى هذا الجيل، وعن بدايتها وكيف استمرت يتحدث المؤرخ والباحث في الموروث الشعبي، أبو بكر باذيب، لـ”ريف اليمن” قائلا:”عرفت حضرموت التفاطير الجماعية منذ القدم، وارتبطت هذه التفاطير العائلية بالختومات في الساحات العامة، فكل بلدة تتكون من ساحات، وكل ساحة يكون فيها مساجد، والمسجد الأبرز فيها هو من يقيم الختم.”

التفاطير الرمضانية في حضرموت.. تقليدٌ عريق يصارع الغلاء
الغلاء المتزايد وارتفاع التكاليف دفع العديد من الأسر إلى تعديل بعض وجبات التقليد المتوارث (ريف اليمن)

ويضيف باذيب لمنصة ريف اليمن: “أول من جاء بهذه الختومات الشيخ سالم بافضل، عندما عاد من العراق في القرن السادس الهجري بعد غياب 40 عامًا في طلب العلم، وجعل لكل مسجد وِرْدًا معينًا”.

أطباق التفاطير

لا تخلو مائدة الإفطار في حضرموت من التمر والعصائر والمقليات والكعك والسمبوسة، وربما الشوربة، إضافةً إلى أطباق محلية مثل: الباخمري والباجية والبطاطس والمعجنات الأخرى.

أما وجبة العشاء، فتضم عادةً الطبق الرئيسي المكون من الأرز واللحم. إلا أن الغلاء المتزايد، وارتفاع التكاليف دفع العديد من الأسر إلى تعديل هذا التقليد، عبر استبدال اللحم بالدجاج أو السمك في كثير من الأحيان، نظرًا للارتفاع الجنوني في أسعار اللحوم.

“إبراهيم فرج”، صاحب مطبخ يتولى تحضير الولائم، تحدث لمنصة ريف اليمن عن الطلبات التي تصله والكلفة قائلا: “مقارنة بالعام الماضي، زادت الكلفة بحوالي الثلث عمّا كانت عليه، ولهذا لجأ البعض إلى بدائل أخرى غير اللحم، مع تقليل الكمية”.

تحظى العادات الاجتماعية في حضرموت خلال الشهر الفضيل بأهمية خاصة، مثل تبادل الزيارات والسهرات الرمضانية التي تتخللها الأهازيج الدينية، وسرد القصص التراثية، مما يجعل رمضان في حضرموت مزيجًا فريدًا من العبادة والكرم والتقاليد العريقة.

التفاطير الرمضانية في حضرموت.. تقليدٌ عريق يصارع الغلاء
التفاطير الرمضانية تقليد توارثته الأجيال منذ القدم وصولا إلى هذا الجيل (ريف اليمن)

ويشير أبو بكر باذيب إلى أن الإفطارات وسيلة لجمع الناس، حيث يقول: “باجتماعهم تحصل الألفة والمودة والرحمة، وإذا تحققت الرحمة، تتنزّل رحمة الله على الساحة، مما يحقق البركة للمجتمع”.أما “محمد كرامة”، إمام مسجد النصر بمدينة سيئون، فيرى أن التفاطير تقوّي روابط الأسرة، وتمتن العلاقات الاجتماعية؛ إذ يجتمع أفراد العائلة بعد شتات قد يدوم عامًا كاملًا.

من جهته، يعتبر “سالم عمر”، وهو شخصية اجتماعية، أن التفاطير الرمضانية في حضرموت أكثر من مجرد وجبات طعام؛ فهي مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأفراد، وتخفيف الأعباء عن الفقراء، ونشر روح الإخاء والمودة. ويجزم “عبدالله سالم”، طالب جامعي، أن هذا التقليد “يشجع على التعاون والتكاتف بين الأهل والجيران، كما يعزز قيم المودة والتراحم”.

المحاذير والتحديات

ورغم ما تحققه هذه المناسبات من إيجابيات، إلا أن هناك بعض المخالفات التي قد تحدث أثناء إقامة التفاطير، وهو ما أشار إليه الشيخ “طالب الكثيري”، المشرف الشرعي على مدارس التوحيد لتحفيظ القرآن الكريم، حيث حذّر (في واحدة من خطبه) من بعض السلبيات، مثل الإسراف والتفاخر؛ إذ بات يُسمع أن بعضهم يجعل يوم التفطير كوليمة عرس، ويرسل للناس الدعوات، وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع، أو في أحاديث الغيبة والنميمة.

ومن السلبيات -بحسب الكثيري- عدم مراعاة الفقراء؛ حيث تتم دعوة الأغنياء فقط دون دعوة المحتاجين، أو حضور البعض عند من أجاب دعوته فقط، متجاهلين الأقارب الأحق بصلتهم.

تحرص الكثير من الأسر على الاستعداد للتفاطير مبكرًا؛ لتجنب أي عجز طارئ. يقول “محمد علي”، مالك مزرعة، لمنصة “ريف اليمن”: “تقوم أغلب الأسر، لا سيما أصحاب المزارع والمواشي، بتربية رؤوس الغنم التي سيُولَم بها، وشراء الأغراض الأخرى اللازمة منذ فترة مبكرة من العام”.

التفاطير الرمضانية في حضرموت
يجتمع الجيران والأقارب خلال التفاطير لتقاسم الطعام في أجواء تسودها المحبة والمودّة

ارتفاع الأسعار وزيادة التكاليف شكل تحديًا كبيرًا أمام استمرار هذه العادة، ويشير أبو بكر باذيب إلى أن “التفاطير الرمضانية تراجعت مقارنةً بما كانت عليه قبل أربع سنوات، حيث كان الشخص يُدعى إلى ثلاثة تفاطير في الليلة الواحدة، أما اليوم، وبسبب الظروف الاقتصادية، أصبح من يقيم الإفطار يقلل الكمية، ويقتصر على دعوة عدد أقل من الأشخاص”.

ويؤكد محمد كرامة أنه “بسبب الغلاء، وجدت بعض الأسر صعوبة كبيرة في تقديم اللحم، فاستبدلته بالدجاج أو السمك، لكن ورغم ذلك لاتزال التفاطير الرمضانية في حضرموت تحافظ على وجودها باعتبارها جزءًا أصيلًا من التراث الاجتماعي والديني، وتعكس قيم الكرم والتكافل والتراحم التي تميز المجتمع الحضرمي”.

شارك الموضوع عبر:
الكاتب

مواضيع مقترحة: