الجمعة, مايو 8, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الألقاب السلبية.. التنمر المقنّع بالدعابة

في كثير من القرى الريفية تولد الألقاب منذ الطفولة، وتكبر مع أصحابها، بل وتسبق أسماءهم الحقيقية أحيانا، لتتحول مع الوقت إلى وصمة اجتماعية يدفع الطفل ثمنها من شخصيته ومكانته وثقته بنفسه، وربما من أحلامه ومستقبله أيضاً.

يخلط البعض بين الدعابة والتنمر، معتبرين أن التنابز بالألقاب، أو ما يسمى محليا بـ”الذِمْر”، نوع من الألفة الاجتماعية، غير أن الخط الفاصل بينهما دقيق للغاية، بينما يجهل كثيرون تبعات الأمر وآثاره السلبية التي قد تترك أثراً عميقاً في حياة الشخص وعلاقاته.

بين الدعابة والتنمر

يقول محمد علي (35 عاما ) إنه أُطلق عليه لقب “البرميل”، حتى أصبح أشهر من اسمه الحقيقي، الذي يكاد يكون مجهولاً حتى لأطفال القرية الذين نشأوا وهم يسمعون اللقب أكثر مما يسمعون اسمه، ولم يتوقف الأمر عند حدود الطفولة؛ فاللقب كبر معه، وانتقل من أفواه الصغار إلى الكبار، ومن جلسات اللعب إلى الأسواق والمناسبات العامة.


مواضيع مقترحة


ويضيف بصوت يحمل شيئاً من الانكسار:”في البداية كنت أظن أنها مزحة وستنتهي، لكني اكتشفت مع الوقت أن الناس نسوا اسمي الحقيقي تماماً”، ويتابع:” حتى عندما أذهب لإنجاز معاملة أو حضور مناسبة، أسمع من يقول: جاء البرميل… صيّحوا للبرميل”.

ويتذكر موقفاً لا يزال عالقاً في ذهنه، حين حضر عرسا في قرية مجاورة، فعرّفه أحدهم أمام الحاضرين بقوله”:رحبوا بالبرميل”، لتتعالى الضحكات بين بعض الشباب، بينما شعر حينها برغبة في مغادرة المكان فوراً.

ويقول:” تلك اللحظة جعلتني أدرك أن اللقب لم يعد مجرد كلمة، بل صار شيئاً يسبقني أينما ذهبت”، ويضيف:” المحزن أن أثر اللقب لم يتوقف عندي فقط، بل امتد إلى أولادي؛ إذ بات الجميع يناديهم بلقب والدهم، فبدلاً من أن يُقال “عبدالمجيد محمد”، أصبح نجله ذو العشرة أعوام يُعرف بين أقرانه باسم “عبدالمجيد البرميل”.

“دعري، لحلح، بوري، شيبة، أعور، أعرج،”، وغيرها من هذه الألقاب التي تنطلق أحيانا من موقف عابر، أو صفة جسدية، أو حتى خطأ بسيط، لتتحول إلى وصف يلاحق الشخص أينما ذهب، وقد يصبح اللقب هوية بديلة ينادى بها في المدرسة، والشارع، وحتى في المناسبات العامة، كما حدث مع محمد علي، ومثله المئات.

أسباب الظاهرة

ترى الأكاديمية والمستشارة في مجال الحماية المجتمعية الدكتورة ألطاف الأهدل إن أبرز أسباب الظاهرة، تعود للثقافة العامة في القرى، والبساطة الاجتماعية، والاعتماد على الاختصارات، موضحة أن اختلاف النسيج الاجتماعي بين الريف والمدينة يلعب دوراً مهماً في هذه المشكلة.


الأهدل: الطفل قد يدخل في صراع داخلي عندما يرفض اللقب بينما يطالبه المجتمع بتقبله ما قد يترك آثاراً نفسية عميقة


وتضيف:” الناس في معظم القرى تربطهم علاقات قرابة وألفة، ولا توجد بينهم حدود أو طبقية، لذلك تُفهم الألقاب غالباً على أنها نوع من المزاح أو الألفة، لا الإهانة أو الازدراء”، لكن في المدن قد يؤدي إطلاق لقب مسيء على جارك مثلا إلى مشكلة اجتماعية خاصة إذا كان اللقب مسيئاً.

وعلى المستوى النفسي والاجتماعي، تؤكد الأهدل أن الطفل قد يدخل في صراع داخلي عندما يرفض اللقب، بينما يطالبه المجتمع بتقبله “بروح رياضية”، ما يخلق مواجهة بين رفضه الداخلي وضغط المجتمع الخارجي، الأمر الذي قد يترك آثاراً نفسية عميقة.

مؤكدة أن بعض هذه الأوصاف قد تتحول إلى عائق اجتماعي مستقبلاً، حتى في قضايا الزواج والقبول المجتمعي، فقد يكون لقبه السلبي واشتهاره في المجتمع سبباً لعدم قبوله، مما قد يؤدي إلى انحراف مستقبل الشخص وطريقة تفكيره نتيجة لذلك.

رغم ملاحظة انتشار هذه الألقاب داخل البيئات الريفية أكثر من الحضرية، إلا أن الظاهرة ليست حكراً على مكان محدد؛ فالتنمر في المدن قد يأخذ أشكالاً مختلفة، أقل وضوحاً من الريف، لكنها لا تقل أثراً، ورغم ذلك تبقى المجتمعات الصغيرة، كالريف، أكثير ميلا بطبيعتها إلى تثبيت الصفات على الأفراد بسرعة، بسبب المحيط الاجتماعي المحدود وقلة التنقل.

الأثر النفسي

أحد كبار السن، فضّل عدم ذكر اسمه، شرح تجربته مع التنمر، قائلاً إنه ظل يُنادى منذ طفولته بلقب “الأعرج” بسبب إعاقته الخلقية، حتى أصبح اللقب أشهر من اسمه الحقيقي.

ويقول:” كنت أشعر بالحزن لأن الناس يعايرونني بشيء خارج إرادتي. كثيراً ما كنت أبكي وحدي وأشعر بالاكتئاب، وكانت أمي تحاول التخفيف عني وتطلب مني ألا أهتم، لكنني كنت أرى أن الناس يلفتون انتباهي دائماً إلى شيء ينقصني ويتفاخرون به عليّ وسريعاً ما كان يظهر اللقب عني قبل الاسم فيصبح أشهر”.


المخلافي: الخطر الحقيقي يكمن في انتقال الأمر من نقد سلوك عابر إلى تثبيت هوية مشوهة تلاحق الشخص لسنوات طويلة


ويضيف أن اللقب كان يثير ضحك البعض وتعاطف آخرين، “لكنه كان يؤذيني من الداخل”، مؤكداً أنه احتاج سنوات طويلة حتى يتجاوز شعور النقص الذي تشكل بداخله.

نفسيا، التحذير أكبر مما يبدو، والأثر أخطر مما يراه البعض، حيث يشير الاستشاري في مجال الصحة النفسية الدكتور مهيوب المخلافي إلى أهم الآثار والأضرار النفسية التي قد تصيب الطفل أو الشخص نتيجة هذه الألقاب.

ويقول المخلافي لـ”ريف اليمن”، إن الألقاب السلبية التي تُطلق على الطفل في سنواته المبكرة تُعد من أخطر أشكال التنشئة غير الواعية؛ لأنها تترسخ في وعيه كجزء من هويته، وتؤثر على تقديره لذاته وأحلامه وعلاقاته الاجتماعية، في حين يبدأ بتصديق هذه الألقاب وكأنها حقيقة ثابتة.

ويشير إلى ما يعرف في علم النفس بـ”تدني تقدير الذات”، حيث يدمج الطفل اللقب في صورته الذاتية عندما يُوصف بـ”الغبي” أو “الكسول” أو “الضعيف”، فيتعامل مع نفسه على هذا الأساس، ويشعر بالنقص وعدم الكفاءة حتى في مجالات لا علاقة لها بالوصف.

عزلة وعدوانية

ويتابع أن ترسيخ هذه الصور السلبية قد يدفع الطفل نحو العزلة أو العدوانية، مشيراً إلى أن الألقاب تعمل أحياناً كـ”نبوءة تحقق ذاتها”، حيث يتحول الوصف المتكرر إلى قناعة داخلية تدفع الطفل للتصرف وفقها.

مؤكدا أن الخطر الحقيقي يكمن في انتقال الأمر من نقد سلوك عابر إلى تثبيت هوية مشوهة تلاحق الشخص لسنوات طويلة، وقد تؤثر حتى على خياراته المهنية والاجتماعية بسبب ضعف ثقته بنفسه.

وينوه المخلافي إلى أهمية توعية الأسر والمعلمين والمجتمع بأن الكلمات ليست مجرد أوصاف عابرة، بل أدوات قادرة على تشكيل الإنسان، داعياً إلى استخدام التغذية الراجعة البنّاءة التي تركز على السلوك لا على الشخص نفسه.

مشيرا أن الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة، بل أدوات تصنع الهوية، فما يُقال لطفل اليوم قد يرافقه إلى الكبر؛ إما دعماً وثقة، أو جرحاً خفياً يصعب تجاوزه، وهنا يبرز دور الأسرة، والمدرسة، والمجتمع لمواجهة هذه الظواهر الاجتماعية والتوعية بمخاطرها وآثارها الممتدة.