تتوسع زراعة شجرة القات بشكل مقلق في الوديان والحقول والمرتفعات الجبلية بالمناطق الريفية اليمنية، على حساب المحاصيل الزراعية الاستراتيجية التي تشهد إنحساراً، مما ألقى بظلاله السلبية على المنظومة المعيشية للمزارعين.
وخلال السنوات الماضية، أحدث انتشار القات تحولاً جذرياً في المشهد الزراعي، إذ بات يشكل خطراً حقيقياً يهدد باستنزاف المياه الجوفية، لا سيما في ظل أزمات الجفاف الحادة التي تضرب البلاد جراء تداعيات التغيرات المناخية المتطرفة.
وفي ظل ظروف الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية، أصبح الإنفاق على شراء القات يستنزف ميزانية الكثير من الأسر، حيث تشير إحصائيات رسمية تعود إلى عام 2004 إلى أن حجم الإنفاق السنوي على تعاطي القات يبلغ قرابة 25 مليار ريال يمني (نحو 156 مليون دولار)، وهو ما يمثل عبئاً اقتصادياً يفاقم من معاناة المواطنين في الوقت الحالي .
مواضيع مقترحة
- زراعة القات: تهديد للمحاصيل واستنزف للمياه الجوفية
- لحج.. استعادة زراعة “البن اليافعي” واقتلاع القات
- إرث الزراعة اليمنية في “علان” يختفي أمام توسع القات
ما هو القات
تؤكد البحوث والدراسات العلمية احتواء نبات “القات” (الاسم العلمي: Catha edulis)، والذي يُعرف في بعض المراجع بـ “شاي العرب”، على مركب “المينوامين” شبه القلوي المعروف بـ “الكاثينون”؛ وهو مادة منشطة تتماثل في خصائصها مع “الأمفيتامين”. وبناءً على هذه المعطيات، صنفت منظمة الصحة العالمية القات كعقار ضار يمكن أن يؤدي إلى حالة من الإدمان تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة.
وكانت المنظمة قد أدرجت القات رسمياً ضمن قائمة المواد المخدرة في عام 1973، وذلك عقب أبحاث مستفيضة استمرت ست سنوات، أثبتت احتواء النبتة على مادتي “نوربسيدو فيدرين” و”الكاثين”، اللتين تتشابهان في تأثيرهما الفسيولوجي مع الأمفيتامينات المحفزة للجهاز العصبي.
تاريخ القات في اليمن
يخلو سجل النقوش اليمنية القديمة من أي ذكر لنبتة القات، كما غاب ذكره عن الكتابات الإسلامية المبكرة ومؤلفات لسان اليمن “أبو محمد الهمداني”؛ مما جعل المؤرخين يرجحون فكرة استيراد اليمنيين لهذه النبتة من القرن الأفريقي، وتحديداً من بلاد الحبشة.
وقد اختلف الباحثون في تحديد تاريخ دقيق لظهور القات في اليمن، إلا أن الرأي الراجح يشير إلى مطلع القرن العاشر الميلادي (حوالي 950م). ويدعم هذا التوجه ورود ذكره في كتابات تعود لزمن الإمام شرف الدين، وفي مؤلفات الشيخ أحمد بن علوان.
كما قدّم العالم “أبو الريحان البيروني” (973م – 1048م) وصفاً للقات في كتاباته الطبية، معتبراً إياه سلعة تُستورد من “تركستان” (وفقاً لتصوره آنذاك)، ووصفه بأنه مرّ الطعم يميل لونه للخضرة والسواد، ويُستخدم طبياً لتبريد الحمى وراحة المعدة والأمعاء.
أما جغرافياً، فقد استوطنت زراعة القات في بداياتها مناطق محددة مثل جبل صبر في تعز، وعتمة في ذمار، والعدين في إب، ويافع والضالع، ومنها انتقلت تدريجياً إلى مناطق همدان والحيمة وبني مطر في صنعاء.
وبحلول عام 1762م، رصد الرحالة “كارستن نيبور” انتشار عادة مضغ القات في المناطق الشمالية. وفي الجنوب، اتخذت الإدارة البريطانية في عدن موقفاً تنظيمياً؛ حيث حصرت بيعه من خلال تراخيص لعدد محدود من التجار، وفرضت عليه ضرائب باهظة رفعت من أسعاره، مما ساهم بشكل كبير في رفد الخزانة الحكومية آنذاك.
مساحة زراعتة
تشهد مساحة زراعة القات في اليمن توسعاً مستمراً على حساب المحاصيل الغذائية والنقدية الاستراتيجية كالقمح والبن، مما يضع البلاد أمام تحديات جسيمة تتعلق بالأمنين الغذائي والمائي.
ووفقاً لبيانات كتاب الإحصاء الزراعي لعام 2019، بلغت المساحة الإجمالية للمحاصيل الزراعية 528,078 هكتاراً؛ حيث احتلت زراعة القات المرتبة الثانية بعد الحبوب بمساحة قُدرت بـ 166,891 هكتاراً. وبهذا الرقم، تفوق القات على مساحات الأعلاف، الخضروات، والمحاصيل النقدية الأخرى، بينما تذيلت البقوليات القائمة بمساحة لم تتجاوز 48,037 هكتاراً.
ويتجه الكثير من المزارعين إلى زراعة “القات” بحثاً عن العوائد المادية المرتفعة والسريعة؛ إذ يُصنف كمحصول نقدي يدر دخلاً مستمراً على مدار العام، مما يساعد المزارع على تلبية احتياجاته المعيشية وتحسين مستواه الاقتصادي، وذلك على خلاف الحبوب والفواكه التي ترتبط بمواسم محددة وتحتاج فترات زمنية طويلة للإنتاج.
كما تتميز شجرة القات بقدرة عالية على التكيف مع الظروف المناخية القاسية ومقاومة الآفات والأمراض مقارنة بالمحاصيل التقليدية، مما يجعلها خياراً استراتيجياً للمزارع في ظل غياب الدعم الحكومي وضعف البدائل الاقتصادية المتاحة.
بالإضافة إلى الطلب المتزايد في السوق المحلية، حيث يضمن المزارع تسويق محصوله نظراً لكون القات جزءاً من العادات الاجتماعية اليومية لشريحة واسعة من السكان. وفي المقابل، تعاني محاصيل الحبوب والخضروات من تذبذب حاد في الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج، نتيجة لضعف البحث العلمي الزراعي وعدم توفر البذور المحسنة ذات الإنتاجية العالية.
خطر على البيئة
تشكل زراعة القات خطراً حقيقياً إذ تؤثر سلباً على المحاصيل الزراعية والنقدية وهدر المياه الجوفية، تعتبر النبتة أيضا من أهم الأخطار التي تهدد البيئة، فهي تحتاج إلى السموم والمبيدات الكيماوية، ويستخدم المزارعون المبيدات بشكل مفرط، وكل ذلك ينعكس بصورة سلبية على البيئة والإنسان.
يستخدم مزارعي القات المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية بكميات كبيرة في زراعة شجرة القات، وتؤدي هذه المواد الكيميائية إلى تلوث التربة والمياه، مما يشكل خطرًا على الصحة العامة والبيئة إذ تتسرب المبيدات الحشرية إلى التربة والمياه الجوفية، مما يؤثر على النباتات والحيوانات التي تعيش في هذه المناطق.
كما يمكن أن تنتقل هذه المواد الكيميائية إلى الإنسان عن طريق الغذاء والماء، وتؤدي الأسمدة الكيميائية إلى زيادة نسبة الملوحة في التربة، مما يؤثر على نمو النباتات، كما يمكن أن تتسبب في تلوث المياه الجوفية، وذلك يؤثر على جودة المياه الصالحة للشرب”.
في الفترة بين 2015 -2021، تسبّبت ظاهرة رش المبيدات الزراعية بموت 105 آلاف خلية نحل في 6 محافظات، هي صنعاء وذمار والحديدة وحجّة وعمران وصعدة، وفق تأكيد هلال محمد الجشاري مدير إدارة وقاية النبات بوزارة الزراعة في حكومة صنعاء.
إلى جانب الاستخدام المكثف للمبيدات والأسمدة تضيف زراعة القات تحد آخر للنحالين وهي القضاء على الغلاف النباتي في المكان المجاور لشجرة القات لأن الأشجار القريبة تلحق الضرر بالقات حسب تأكيد المزارعين.
ووفقاً لكثير من الدراسات، تستهلك شجرة القات في اليمن أكثر من 800 مليون متر مكعب من المياه؛ إذ يُروى الهكتار الواحد بكمية تقديرية تصل إلى 6،279 مترًا مكعبًا، وهذا يفوق استهلاك القمح بـ4،252 مترًا مكعبًا لكل هكتار.

