كانت أسمهان (اسم مستعار)، في شهرها الخامس من الحمل، ترسم أحلامها حول طفلها المنتظر، دون أن تدرك أن رحلتها اليومية لتأمين لترات قليلة من الماء ستنهي حملها، ففي قريتها الريفية بمحافظة إب، يعد الحصول على المياه عبئاً يومياً شاقاً يضاعف معاناة السكان.
كعادتها كل صباح، تخرج أسمهان حاملة وعاءها البلاستيكي نحو منبع المياه البعيد، حيث أدت وعورة الطريق الجبلية وثقل الحمل إلى إجهاد بدني تسبب في نزيف حاد ومضاعفات مفاجئة انتهت بفقدان جنينها. وهي واحدة من نساء ريف إب، حيث يجتمع ثالوث الطرق الوعرة، وأزمة المياه، والفقر المدقع؛ ليهدد حياة الأمهات.
ويحول غياب وحدات الرعاية الصحية الأولية في القرى النائية، وانعدام مشاريع المياه المستدامة، حلم الأمومة إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، ويجعل من حالات الإجهاض والوفيات الناتجة عن تعذر الوصول إلى الرعاية الطبية نزيفاً مستمراً في قلب الريف اليمن
مواضيع مقترحة
- قابلات الريف .. صمام أمان لحماية النساء والاطفال
- ريف إب: الوصول الى مستشفى مشقة لا تنتهي
- جبل البراشة في مقبنة: الطؤيق تفقد النساء حملهن
ووفقاً لبيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، يصنف اليمن كأحد أخطر الأماكن في العالم للولادة، حيث تظل معدلات وفيات الأمهات مأساوية في ظل عيش مئات الآلاف من النساء في مناطق تفتقر لخدمات القابلات الماهرات، ومعاناة العيادات المتنقلة من ضغط يفوق طاقتها الاستيعابية.
الإجهاد البدني
لم تتوقف المأساة عند حدود الإجهاض، بل امتدت لتكشف عن حجم العجز فبينما كانت أسمهان تنزف، وقفت التضاريس حائلاً دون نجاتها، إذ يبعد أقرب مستشفى ساعات من السير في طرق وعرة في ظل انعدام شبه تام لوسائل النقل أو ارتفاع تكلفتها لأسرة تعيش تحت خط الفقر.
يصف أحد المقربين من العائلة لـ “ريف اليمن ” الوضع قائلاً “:المسافة هنا ليست مجرد كيلومترات، إنها جدار من الوقت والمال لا نملك منه شيئاً، فأوضاعنا القاسية تجعلنا نكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط”.
و يبرز زوج أسمهان، وهو عامل بالأجر اليومي يصارع في سوق عمل منهك لتوفير الاحتياجات الأساسية، حيث يغدو استئجار سيارة للإسعاف رفاهية مستحيلة عندما تضيق الخيارات بين شراء الدواء أو توفير وجبة العشاء للعائلة.
تؤكد الدكتورة زهرة الشرعبي أن تضافر عاملي الإجهاد الحراري والجفاف يمثل تهديداً مباشراً لسلامة الحمل؛ فجلب المياه تحت أشعة الشمس في ظل الظروف المناخية القاسية يؤدي إلى جفاف شديد يقلص حجم الدم لدى الأم، مما يرفع لزوجته ويحد من كفاءة التروية المشيمية، ويجعل الرحم أكثر عرضة للتقلصات الطارئة.
وأوضحت الشرعبي لـ “ريف اليمن” أن الشهر الخامس يعد مرحلة حساسة للغاية، مشيرة إلى أن الجهد البدني الشاق كحمل الأثقال وقطع المسارات الجبلية يؤثر فسيولوجياً بطرق مدمرة؛ فالمجهود العضلي العنيف يؤدي إلى زيادة حادة في الضغط داخل تجويف البطن ينتقل مباشرة إلى الرحم، مما قد يتسبب في انفصال مبكر للمشيمة أو تمزق الأغشية المحيطة بالجنين.
المسافة هنا ليست مجرد كيلومترات، إنها جدار من الوقت والمال لا نملك منه شيئاً، فأوضاعنا القاسية تجعلنا نكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط
كما إلى أن الإجهاد المستمر يحفز إفراز هرمونات “الكورتيزول” و”الأدرينالين”، التي تسبب نشاطاً رحمياً غير طبيعي انقباضات مبكرة قد تفتح عنق الرحم قبل أوانه.
الفقر وسوء التغذية
تتجاوز المأساة حدود الإجهاد البدني لتصطدم بواقع سوء التغذية الحاد، الذي يحرم الأم من المخزون الاحتياطي اللازم لمواجهة الطوارئ الطبية، إذ يجعل فقر الدم أجساد النساء عاجزة عن تحمل فقدان أي كمية من الدماء، مما يدخلهن في صدمة وعائية وهبوط حاد في الدورة الدموية.
وبحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2020، سجلت معدلات وفيات الأمهات في اليمن تدهوراً مأساوياً بوصولها إلى 183 وفاة لكل 100,000 ولادة حية، وهو رقم يعكس الانهيار الكبير في المنظومة الصحية التي باتت تعمل بنصف طاقتها جراء تداعيات الحرب.
وتتصدر قائمة الأسباب التي تزهق حياة النساء مضاعفات يمكن تداركها طبياً، مثل النزيف الحاد والانسمام الحملي (الارتعاج)، في وقت يساهم فيه سوء التغذية المتفشي في تفاقم المخاطر الصحية للأمهات وحديثي الولادة على حد سواء؛ حيث تؤدي الولادة المبكرة وحالات الاختناق والإنتان إلى ارتفاع غير مقبول في معدلات الوفيات.
تصف الدكتورة فريما كوليبالي زيربو، القائم بأعمال ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن، واقع الأمومة بـ “المفجع”، مؤكدة التزام المنظمة بضمان حصول الأطفال على الرعاية والتغذية اللازمة للبقاء على قيد الحياة.
وتقول الدكتورة الشرعبي لـ “ريف اليمن” أن سوء التغذية يحول كل دقيقة تأخير في التدخل الطبي إلى خطوة فعلية نحو الوفاة؛ حيث تؤدي الولادة المتعسرة إلى “ارتخاء الرحم” واستمرار النزيف القاتل.
يضطر الأهالي إلى حمل النساء على الأكتاف لتعذر وصول وسائل النقل عبر الطرق المتهالكة، أو لعدم قدرتهم على سداد تكاليفها الباهظة
وأوضحت أن خطر الوفاة يتضاعف في المناطق النائية نتيجة الفشل المتسارع للأعضاء الحيوية كالكلى والقلب، فضلاً عن ضعف الجهاز المناعي الذي يجعل الأم عرضة للإصابة بـ “حمى النفاس” والتسمم البكتيري الفتاك.
معاناة مستمرة
يلخص عصام جلال( 45 عاماً )معاناة سكان القرى الريفية بمحافظة إب بنبرة يملؤها القهر قائلاً: “الوجع أكبر من الكلام، الجبال هي عيشتنا ومقبرتنا في آن واحد، فمنذ لحظة الحمل، نبدأ بحمل همّ يوم الولادة وكأننا ننتظر معركة لا فرحة بمولود”.
وأضاف جلال لـ “ريف اليمن” أن المراكز الصحية في مناطقهم تكاد تكون والعدم سواء، فهي مجرد هياكل تفتقر للأطباء والممرضين، وحتى لأبسط المستلزمات الطبية.
ويصف مشقة عمليات الإنقاذ في ظل غياب الخدمات، موضحاً أن الأهالي يضطرون لحمل النساء النازفات على الأكتاف لتعذر وصول وسائل النقل عبر الطرق المتهالكة، أو لعدم قدرتهم على سداد تكاليفها الباهظة.
وأمام الواقع المرير، تدعو الدكتورة زهرة الشرعبي إلى ضرورة تجهيز المراكز الريفية بما تصفه بـ حزمة الطوارئ التوليدية الأساسية لخفض معدلات الوفيات، وتتصدر الحزمة الكوادر البشرية المؤهلة، وفي مقدمتها القابلة المجتمعية القادرة على التشخيص المبكر لحالات الولادة المتعسرة.
كما تشدد على وجوب توفر معدات حيوية مثل حقائب الإنعاش اليدوي وأجهزة شفط السوائل لإنقاذ المواليد، بالإضافة إلى توفير صيدلية إسعافية تضم أدوية منقذة للحياة بأسعار زهيدة، مثل الأوكسيتوسين لإيقاف النزيف، وسلفات المغنيسيوم لعلاج تشنجات الحمل.
وعلى مستوى البنية التحتية، تشير التقديرات الرسمية وتقارير منظمة الصحة العالمية إلى وجود 321 منشأة صحية موزعة في أنحاء محافظة إب، تشمل 16 مستشفى و118 مركزاً صحياً و187 وحدة صحية. ومع ذلك، لا يزال التحدي قائماً في تحديد العدد الفعلي للمنشآت العاملة بكفاءة داخل المناطق الريفية، مما يعزز الفجوة بين الأرقام الرسمية وبين معاناة النساء.
صورة الغلاف: BBC

