الثلاثاء, مايو 12, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

معاصر السمسم التقليدية.. صمود أمام الآلات الحديثة

مع كل صباح يبدأ إبراهيم قبول (23 عاماً) في إطعام الجمل وسقايته ليقوم بمهمته المعتادة في عصر حبات السمسم في معصرته التقليدية بمحافظة حجة التي ورثها عن والده ويمارس فيها حرفته منذ أكثر من 15 عاما، على الرغم من معاناة النزوح وتأثرات السوق نتيجة الحرب والنزاع.

أكثر فصول حكاية إبراهيم زخما وتعبا لم تكن داخل المعصرة، بل تفاصيل معاناته التي رافقته طوال رحلة النزوح التي امتدت لأكثر من 9 سنوات بعد أن ترك محله الوحيد في مديرية حرض في أقصى الشمال الغربي للبلاد وغادر ناحية منطقة بني حسن عقب اشتداد القصف الجوي على المدينة في مارس 2015.

صعوبات ومعاناة

يقول لـ”ريف اليمن” إنه ورفاقه في هذه الحرفة واجهوا خلال السنوات الأخيرة صعوبات كبيرة في توفير الاحتياجات الأساسية للمعاصر، التي تضررت نتيجة الوضع الاقتصادي للبلاد.


مواضيع مقترحة


ورغم تلك المعوقات، يؤكد تمسكه ورفاقه بهذه المهنة وبطرقها التقليدية التي ورثوها عن آبائهم، لارتباطها بالثقافة المحلية وملامح الحياة، وجودة منتجاتها مقارنة بالمنتجات المعتمدة على البدائل الحديثة، إضافة إلى كونها الحرفة الوحيدة التي يتقنونها ويعتاشون منها.

ويضيف:” نبدأ صباحاً بإطعام الجمل وربط عينيه، ثم نقوم بسكب حبات السمسم داخل وعاء كبير مصنوع من جذوع الأشجار المعمرة، يتم تجويفه بطريقة خاصة، ويوضع بها عصى مثلثة تشبه الحرف “N” ليربط بين الجذع عبر العصى ويتصل بمساحة خشبية توضع عليها الأثقال وبها عمود معكوف يلتف حول الجذع ويوصل بالجمل أثناء حركته لعصر السمسم واستخلاص الزيت.

الجمل والدوران

ويشير إبراهيم إلى أن تغطية عيني الجمل أثناء عملية العصر تساعده على مواصلة الدوران لفترات طويلة، إذ يعتقد أنه يقطع مسافات ممتدة، لا أنه يدور في مساحة ضيقة بشكل متكرر.

ويوضح أن ترك عينيه مكشوفتين قد يدفعه إلى التوقف أو الهيجان بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن الدوران المستمر في دائرة صغيرة.

تغطية عيني الجمل أثناء عملية العصر تساعده على مواصلة الدوران لفترات طويلة(ريف اليمن)

كما تُوضع -بحسب إبراهيم- أحمال ثقيلة، مثل الحجارة أو أكياس الرمل، فوق المساحة الخشبية للمساعدة في الضغط على حبات السمسم داخل التجويف، ما يسهم في استخلاص الزيت بطريقة تقليدية، معتبرا أن بقاء هذه الطريقة تمثل واحد من التجسيد الحقيقي للحفاظ على التقاليد القديمة للحرف المتقنة والمميزة في بعض المناطق التهامية.

خلال حديثنا، كان أحد الجمال يواصل الدوران عكس اتجاه عقارب الساعة، في مشهد يعكس واحدة من أقدم طرق استخراج زيت السمسم ذائع الصيت في الكثير من المناطق اليمنية.

ويقول المزارع عبدالله الزيلعي إن كثيرا من اليمنيين لا يزالون يفضلون زيت السمسم أو ما يسمى محليا بـ”الجلجل ” المستخرج عبر “معصرة الجمل”، لما يتميز به من جودة ونكهة خاصة مقارنة بالطرق الحديثة.

منافسة الطرق الحديثة

مع تمسكهم بهذه الحرفة يواجه أصحاب المعاصر التقليدية تحديات متزايدة مع انتشار وسائل العصر الحديثة، التي باتت تغزو الأسواق بسبب انخفاض تكلفتها وسرعة إنتاجها.

ويقول الزيلعي لـ”ريف اليمن”، إن هذه الوسائل الحديثة خلقت منافسة صعبة، وسببت لمعاصر التقليدية معاناة إضافية في مواكبة السوق بالزيت المستخلص بالطريقة التقليدية رغم تمسك شريحة واسعة من المستهلكين بجودته.

الصحفية المهتمة بالشأن الاقتصادي أمل جابر ترى أن الحرب أسهمت في نزوح كثير من الأسر من مناطق المواجهات في حرض وميدي إلى مناطق أخرى، واستحداث معاصر جديدة لزيت السمسم ما خلق أسواق محلية جديدة ومنافسة كبيرة بين تجار ومزارعي المنتج في المنطقة.

وتضيف لـ”ريف اليمن”، أن تحسين عمليات التسويق ساعد في إيجاد سوق داخلية بديلة عن السوق السعودية، التي كانت تمثل وجهة رئيسية لتجارة السمسم، موضحة أن ذلك أسهم في توفير المنتج محلياً وكسر جزء من حالة الاحتكار، رغم الفارق الكبير في الأسعار.

وتشير بيانات رسمية منشورة لعام 2024 إلى تراجع إنتاج اليمن من السمسم خلال السنوات العشر الأخيرة من 25.3 ألف طن إلى 22.6 ألف طن، فيما تراجعت مساحة الأراضي الزراعية المنتجة للسمسم من 23 ألف هكتار إلى 18 ألف هكتار منذ مطلع عام 2016″.

زيت السمسم من الزيوت الغنية بالعناصر الغذائية، وله دور مهم في صحة الإنسان (ريف اليمن)

دعم الاقتصاد المحلي

من جهته، يقول المهندس الزراعي حسن زايد إن زيت السمسم، المعروف محلياً بأسماء مثل “الجلجلان” و”السليط” و”الترتر”، يحظى بإقبال واسع لدى اليمنيين،داعياً المزارعين إلى التوسع في زراعته والاستفادة منه كمصدر دخل يساعد الأسر الريفية على تأمين احتياجاتها المعيشية.

ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن إنتاج زيت السمسم محليا يمكن أن يقلل من تكاليف الاستيراد، ويسهم في دعم الاقتصاد المحلي عبر بيع السمسم الخام أو الزيت المنتج داخل الأسواق المحلية، كما يُمكن أن يسهم في خلق فرص عمل جديدة ضمن سلسلة قيمة المنتج من الزراعة وحتى التسويق والاستهلاك.

ويواجه أصحاب المعاصر التقليدية، خصوصاً ممن يمتلكون مزارع خاصة، الكثير من العوائق، أبرزها قلة توفر المعدات والمعدات الحديثة والبذور الجيدة، وغياب وغياب الآلية الكفيلة بتنظيم عملية ضبط حركة السوق في ظل الظروف الاقتصادية والحرب المستمرة.