في عام 2006، التحق عبدالله محمد (19 عاما) بقسم اللغة العربية في كلية التربية بمحافظة حجة، حاملاً حلمًا بسيطًا متمثلا بوظيفة تضمن له الاستقرار وحياة كريمة، أربع سنوات بين المحاضرات والامتحانات رسمت ملامح مستقبله، لكن منذ تخرّجه عام 2010 لم يجد عملاً في تخصصه، فتحوّلت شهادته من جسرٍ للاستقرار إلى ورقة بلا أفق.
يقول عبدالله لـ”ريف اليمن”: “كنت أطمح إلى خدمة التعليم، لكن الواقع بدّد الحلم. لو عاد بي الزمن لاخترت تخصصًا مهنيًا أو تقنيًا… لم أكن أدرك إلى أين سيقودني هذا الطريق”. قصته تختصر واقعًا يعيشه كثير من خريجي كليات التربية في ظل تراجع أوضاع التعليم.
معلمون بلا رواتب
يواجه قطاع التعليم تحديات غير مسبوقة، ويعيش المعلمون أوضاعًا معيشية قاسية بعد انقطاع رواتبهم لسنوات في بعض المناطق، وتدنيها في مناطق أخرى، ما دفع كثيرين إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة.
ويؤكد عبدالله أن هذه الظروف تركت أثرًا عميقًا في مساره المهني, موضحًا: “حاولت الحصول على وظيفة في مدارس خاصة بعدة محافظات، غير أن ارتفاع تكاليف السفر، واشتراط السكن القريب، وضآلة الرواتب، حالت دون ذلك”.
مواضيع مقترحة
- التعليم الجامعي: حلم فتيات الريف الذي لا يتحقق
- جامعة الضالع.. بوابة التعليم الجامعي لأبناء الريف
- التعليم في لحج.. تحذيرات من تفشي الأمية
ويضيف بنبرة يغلفها الأسى: “أثّرت هذه الظروف في حالتي النفسية وفي رغبتي في الاستمرار في مهنة التعليم، في ظل شح الفرص المهنية وغياب الدعم والحوافز”. ويشير إلى أن هذه الظروف القاسية انعكست سلبا على أداء كثير من المعلمين, وأضعفت قدرتهم على جذب انتباه الطلاب وتحسين جودة التعلّم.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن العجز بلغ خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50%، أي أكثر من 91 ألف معلم، فيما يقترب نحو 40% من المعلمين المثبَّتين من سنّ التقاعد، ما ينذر بتفاقم الفجوة خلال السنوات المقبلة.
الأستاذ الدكتور رياض منقوش، عميد كلية التربية – جامعة سيئون، يؤكد أن المعلم الذي كان رمزًا للعلم والمعرفة أصبح اليوم يرزح تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية تدفعه إلى مغادرة المهنة، ويضيف لـ«ريف اليمن»: “استمرار هذا التدهور سينعكس سلبًا على مستقبل الأجيال”.
أما محمد السقاف، موجه تربوي، فيشير إلى تراجع المكانة الاجتماعية والمهنية للمعلم مقارنة بالسابق ، قائلًا: “لم يعد المعلم يحظى بالاحترام كما كان، ولا بدخل يوازي حجم رسالته”.
مفارقة مستمرة
تشير بيانات حديثة (غير رسمية) إلى تراجع حاد في أعداد المتقدمين للدراسة في كليات التربية في عموم المحافظات. ففي جامعة عدن، لم يتجاوز عدد المقبولين 94 طالبًا وطالبة، بعد أن كانوا يقاربون الألف. وفي تعز، انخفض العدد من نحو 1,200 إلى 185 طالبًا.
وفي جامعة حضرموت، لم يتجاوز عدد طلاب بعض الأقسام خمسة طلاب، فيما أُغلقت أغلب الأقسام الرئيسة في كلية التربية – جامعة سيئون نظرًا لضعف الإقبال عامًا بعد عام. تاريخيًا، تراجع عدد طلاب جامعة عدن من 2,276 في العام الجامعي 2009/2010 إلى 99 في 2022/2023م.
بلغ العجز في عدد المعلمين خلال العام الدراسي المنصرم نحو 50% فيما يقترب نحو 40% من المثبَّتين من سنّ التقاعد
أما شبوة فقد تراجع عدد المتقدمين من 2,100 إلى 200، ما دفع عمادة الكلية إلى إغلاق ثلاثة أقسام نهائيًا هذا التراجع الحاد ينعكس مباشرة على مستقبل التعليم؛ إذ يهدد القدرة على توفير كوادر مؤهلة للأجيال القادمة.
ولا تقتصر الأسباب على الحرب وتوقف التوظيف؛ إذ يشير السقاف إلى أن عزوف الطلاب عن التخصصات التربوية يعود إلى عوامل متعددة، منها تفضيل بعض الأسر التحاق أبنائها بالكليات المهنية كالطب والهندسة وعلوم الحاسوب، وتوجه عدد من الطلاب الذكور إلى المعسكرات والألوية العسكرية التي تقدم رواتب تفوق دخل المعلم الحكومي بثلاثة إلى سبعة أضعاف.
كما أن الأسباب كذلك انقطاع رواتب المعلمين أو ضعفها منذ اندلاع الحرب، وهشاشة مخرجات الثانوية العامة، ما يدفع بعض الطلاب إلى دخول سوق العمل مبكرًا أو الالتحاق بالجبهات.
تأثير الأزمة على المجتمع
لا تنعكس أزمة التعليم على المدارس وحدها، بل تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله. فضعف جودة التعليم واتساع الفجوة في الكادر المؤهل ينعكسان مباشرة على كفاءة الأجيال القادمة وسوق العمل، ما يهدد مسار التنمية على المدى الطويل.
كما يؤدي تراجع التعليم الحكومي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية بين من يستطيعون تحمّل كلفة التعليم الخاص ومن لا يملكون ذلك الخيار. وفي بيئة اقتصادية هشة، قد يدفع ضعف المنظومة التعليمية بعض الأطفال إلى التسرب المبكر من المدارس والانخراط في أعمال شاقة أو مسارات محفوفة بالمخاطر؛ ما يعزز دورة الفقر ويؤثر في استقرار المجتمع.
وتشير بيانات نقابة المعلمين اليمنيين إلى أن الأزمة التعليمية في البلاد تجلت في استمرار انقطاع رواتب أكثر من 170 ألف معلم لسنوات، فضلًا عن حرمان نحو 3 ملايين طفل من مقاعد الدراسة، وهو ما يعكس عمق التحديات التي تواجه العملية التعليمية في اليمن.
الأكاديمي بلخشر: دعم الطلبة ماليا ورفع رواتب المعلمين أو صرف حوافز تعويضية، بات ضرورة لاستعادة جاذبية مهنة التعليم
ويرى محمد السقاف أن استمرار ضعف الإقبال على كليات التربية قد يقود مستقبلًا إلى فجوة حادة في أعداد المعلمين، ما قد يضع الجهات المعنية أمام خيارات صعبة، مثل الاستعانة بمعلمين من خارج البلاد، أو مواجهة جيل يعاني ضعفًا في التأهيل والمعرفة، الأمر الذي قد ينعكس على وعيه وقدرته على اتخاذ القرار.
تحديات وحلول مطلوبة
مع استمرار تراجع أعداد المعلمين والملتحقين بكليات التربية، تتزايد الدعوات إلى تحرك عاجل يعيد للتعليم مكانته، ويمنع تحوّل الأزمة إلى واقع دائم في وقت يواجه التعليم اليمني اختبارًا حاسمًا قد يؤثر في جودة العملية التعليمية لسنوات قادمة، فالعجز لا يقتصر على النقص العددي، بل يمتد إلى ضعف الخبرة وتراجع الدافعية.
ويشدد الدكتور خالد بلخشر، الأكاديمي والباحث في جامعة حضرموت، على أن الأزمة ليست مجرد نقص في الرواتب أو المباني، بل انعكاس لاختلال القيم الوظيفية. ويقول في حديثه لـ”ريف اليمن”: “حين يصبح راتب العسكري المستجد بالعملة الأجنبية أعلى من راتب رئيس جامعة وأضعاف راتب المعلم، فإن المشكلة لم تعد أرقامًا على كشف حساب، بل تحوّلًا في ترتيب الأولويات”.
ويضيف أن هذا التوازن المختل يدفع بعض المعلمين إلى مغادرة مدارسهم، ويدفع الطلاب إلى إعادة حساباتهم، ما يهدد العملية التعليمية، مؤكدًا: “الوطن لا يُحرس بالبندقية وحدها، بل بمعلم لا يُذلّه راتبه، وبجامعة مصونة المكانة، وبمدارس توفر مستلزمات التعليم”.
الدكتور منقوش يرى أن دعم الطلبة ماليًا، ورفع رواتب المعلمين أو صرف حوافز تعويضية، بات ضرورة لاستعادة جاذبية المهنة. كما تبرز الحاجة إلى حملة إعلامية وطنية تعيد الاعتبار لمكانة المعلم وتشجع على الالتحاق بكليات التربية، إلى جانب تحسين آليات القبول، وتطوير البرامج الأكاديمية، وإتاحة مسارات تأهيل تربوي لخريجي الكليات غير التربوية لسدّ جزء من العجز.
وبين قاعات جامعية شبه خالية ومدارس تعاني نقصًا متزايدًا في المعلمين، يبقى السؤال مفتوحًا: من سيُعلّم أجيال اليمن القادمة؟

