تضطر أم أحمد (40 عاماً) في مديرية الأزارق بمحافظة الضالع إلى قطع مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات سيراً على الأقدام بحثاً عن المياه، في رحلة يومية شاقة تنتهي بانتظار ساعات طوال، ثم تعود بكميات قليلة بالكاد تسد حاجة أسرتها، مما ينعكس سلباً على النظافة والوضع الصحي للعائلة.
وتصف أم أحمد مأساة قريتها قائلة لـ “ريف اليمن”: إن البئر التي كانت تعتمد عليها القرية نضبت منذ أكثر من عام، مما حوّل حياة السكان اليومية إلى رحلة بحث مستمرة ومضنية عن الماء.
وتكشف بيانات حديثة في الضالع عن اعتماد السكان شبه الكلي على مصادر مهددة بالجفاف. وبحسب تقييم منظمة “وونتس” لعام 2024، فإن 76% من سكان المحافظة يعتمدون على الآبار الارتوازية واليدوية كمصدر رئيسي، مما يجعل أي تراجع في منسوب المياه الجوفية تهديداً مباشراً لسبل العيش.
مواضيع مقترحة
- نساء الضالع يتحملن عبئاً يومياً للحصول على الماء
- الضالع.. الماء المسموم بالفلورايد يحاصر السكان
- رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات
لا تتوقف أزمة المياه عند الندرة فحسب، بل تمتد لتشمل جودة المياه، حيث يُظهر المسح ذاته أن 48% من المصادر المستخدمة للشرب تُصنف كمياه غير محسنة وغير صالحة صحياً، نتيجة لجوء السكان إلى آبار متهالكة أو مصادر مكشوفة عقب جفاف الآبار الأساسية.
جفاف الآبار
بنبرة يملؤها الحزن، تستذكر أم أحمد الماضي وتشير إلى أوعية بلاستيكية فارغة بجوار منزلها قائلة: “كنا نشرب من البئر، ونغسل، ونزرع حول بيوتنا، أما اليوم، فنحن نمشي ساعات طوال من أجل جالون ماء واحد”.
يضع الاعتماد على الآبار، بالتزامن مع جفاف عدد متزايد منها، آلاف الأسر في محافظة الضالع أمام خيارين أحلاهما مرّ إما قطع مسافات مضنية للحصول على المياه، أو الاضطرار لاستخدام مصادر ملوثة، مما يفاقم المخاطر الصحية ويعمق الأزمة الإنسانية. وفي مسح ميداني أجرته منصة “ريف اليمن” بالتعاون مع مكتب الموارد المائية بالضالع، تكشفت حقائق مقلقة حول وضع الآبار في المحافظة.
لا تقتصر تداعيات الجفاف على مشقة النساء، بل امتدت لتطال مستقبل الأطفال الذين اضطر بعضهم لترك مقاعد الدراسة لمساعدة أمهاتهم في جلب المياه، فيما أُجبرت عائلات أخرى على التخلي عن مواشيها لعجزها عن سقايتها، وسط مخاوف من تداعيات صحية خطيرة.
آثار صحية واقتصادية
أدى جفاف الآبار إلى تفاقم المخاطر الصحية والاقتصادية على السكان، في ظل لجوء كثير من الأسر إلى مصادر مياه غير آمنة وتقليص حصص النظافة الشخصية والشرب. ونتيجة لذلك، تصاعدت احتمالات الإصابة بالأمراض الوبائية، مع تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق المواشي، مما حول أزمة المياه إلى عبء يستنزف دخل الأسر الريفية وصحتها.
يوضح مدير التثقيف والإعلام الصحي بوزارة الصحة، الدكتور عارف الحوشبي، أن نقص المياه النظيفة في مديريات الضالع أدى إلى تراجع ممارسات النظافة وزيادة الاعتماد على مصادر غير آمنة، مما انعكس في ارتفاع ملحوظ بحالات الإسهالات المائية الحادة، لا سيما بين الأطفال، مع وجود بيئة خصبة لتفشي الكوليرا في المناطق التي تعاني جفافاً كلياً أو شبه كلي.
الجفاف يهدد حياة الأسر الريفية بشكل مباشر، مع تفاوت حدة الأزمة بين المديريات وضغط متزايد على المناطق التي تعتمد كلياً على الآبار الارتوازية
وتشير بيانات النشرة الوبائية للأسبوع (52) من عام 2025، الصادرة عن قسم الترصد الوبائي بوزارة الصحة والتي حصلت عليها “ريف اليمن”، إلى خارطة وبائية مقلقة ناتجة عن الجفاف؛ حيث سُجلت 222 حالة ملاريا وحالة من حمى الضنك، إضافة إلى 64 حالة بلهارسيا و25 حالة جرب.
أما الأمراض القابلة للتحصين، فقد رُصدت 11 حالة حصبة و24 حالة نكاف، مما يؤكد أن أزمة المياه باتت محركاً رئيسياً لسوء التغذية وتدهور المناعة العامة، خصوصاً لدى الأطفال ودون الخامسة والنساء الحوامل.
اقتصادياً، يرى الخبير الاقتصادي فارس النجار أن خسائر القطاع الزراعي في الضالع تتجاوز مجرد نقص الإنتاج إلى خسارة أصول رأسمالية؛ إذ إن جفاف أي بئر يعني توقف وحدة إنتاجية كاملة.
وأوضح النجار لـ “ريف اليمن” أن تكلفة الري السنوية للهكتار الواحد قد تصل إلى 9,500 دولار تبعاً لنوع المحصول وعمق البئر، ما يجعل المزارعين عاجزين عن تغطية تكاليف الطاقة، ويضطرهم إما لترك الأرض أو التحول لزراعة القات الذي يستنزف أكثر من نصف الموارد المائية المتاحة.
القات والحفر العشوائي
يحلل المهندس الزراعي خليل الصيادي، لـ “ريف اليمن”، الأسباب البنيوية التي قادت إلى الأزمة وتداعياتها الخطيرة على حاضر المحافظة ومستقبلها، قائلاً تشهد الضالع منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي توسعاً متسارعاً في زراعة القات، بلغت ذروتها في تسعينيات القرن نفسه ولا تزال مستمرة، حيث مساحات شاسعة من المديريات.
ويرافق التمدد في زراعة القات ارتفاع حاد في معدلات حفر الآبار بصورة عشوائية، مما أدى إلى اختلال جوهري في التوازن المائي، إذ تجاوزت كميات السحب معدلات التغذية الطبيعية بمراحل كبيرة.
وبحسب الصيادي فإن شح الأمطار وتذبذبها، إلى جانب الاستنزاف المتواصل للمياه السطحية، قوض فرص تغذية الخزانات الجوفية، حتى باتت احتمالات التعويض الطبيعي في بعض المناطق شبه معدومة. وتشير البيانات الرسمية والمسوحات الميدانية إلى حفر أكثر من 700 بئر ارتوازية خلال السنوات الماضية، بينما تُقدر الآبار السطحية بأعداد مهولة تفوق ثلاثة أضعاف الارتوازية، ومعظمها حُفر خارج إطار تصاريح هيئة الموارد المائية.
فرضت زراعة القات ضغوطاً هائلة على المياه الجوفية بعد استنزاف مازال مستمر
مؤخراً سُجل بالفعل جفاف أكثر من 200 بئر ارتوازية في عدة أحواض مائية، مما دفع المزارعين إلى إعادة تعميق الآبار بعد نضوب مياهها في الأعماق السابقة، بالتزامن مع جفاف واسع النطاق في الآبار السطحية.
ويحذر الصيادي من أن استمرار النزيف المائي دون تدخل جاد ينذر بكوارث بيئية واقتصادية واجتماعية، وقد يؤدي إلى احتقانات وصراعات محلية على مصادر المياه، مما يفتح الباب أمام دورات عنف مستقبلية.

الحلول والمعوقات
يرى المهندس الزراعي الصيادي أن الحد من جفاف الآبار في محافظة الضالع يتطلب حزمة إجراءات فنية وزراعية متكاملة، نظراً للاعتماد المفرط على المياه الجوفية كمصدر وحيد للبقاء.
ويؤكد الصيادي لـ “ريف اليمن”، أن من أبرز الحلول التقنية تنفيذ منظومات التغذية الاصطناعية في المرتفعات القريبة من الأحواض المائية، عبر حفر مائية سطحية تعمل على حقن المخزون الجوفي. ويقترح إلزام مالكي الآبار بتنفيذ خمس حفر بعمق خمسة أمتار لكل بئر سطحية، وعشر حفر لكل بئر ارتوازية، لضمان استدامة المصدر وتقليل حدة الاستنزاف.
كما يشدد على ضرورة التحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه كالحبوب والبقوليات، والحد من توسع مساحات القات التي يصفها بـ “الكارثة الكبرى” والمستنزف الأول للمياه في المحافظة.
ودعا الصيادي إلى سن تشريعات تُلحق الآبار السطحية بالإطار القانوني المنظم للآبار الارتوازية، مع التوسع في تقنيات الري الحديث وتفعيل الرقابة الرسمية الصارمة، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين لضمان عدالة التوزيع واستدامة الموارد.
من جانبه، أوضح مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بمحافظة الضالع المهندس بدر الحميدي، أن الحفر العشوائي ليس ظاهرة طارئة، بل مشكلة متجذرة منذ عقود، إلا أن وطأتها في الضالع كانت أشد قسوة نتيجة التوسع في زراعة القات، التي تستهلك وحدها أكثر من 80% من إجمالي المياه المنتجة.
وأوضح الحميدي لـ “ريف اليمن” أن الفترة ما بين عامي 2010 و2018 شهدت فوضى حفر عارمة في ظل غياب الجهات الرقابية، مما سرّع من نضوب المخزون. وأكد أنه منذ تأسيس فرع الهيئة في المحافظة، بدأت عملية رقابة تدريجية وفق خطة مرنة، أسفرت عن تقليص ظاهرة الحفر العشوائي بنسبة تتراوح بين 80 إلى 90%.
وكشف الحميدي عن تحديات جسيمة واجهت الهيئة، أبرزها تدخل نافذين وفروا الحماية لبعض الحفارات المخالفة، بالإضافة إلى تعرض فرق الهيئة لتهديدات ومحاولات اعتداء ميدانية بالإضافة إلى انعدام الموازنات التشغيلية وغياب الدعم المالي من الجهات الحكومية.
واختتم الحميدي حديثه مشدداً على استمرار الهيئة في التنسيق مع مديري المديريات لضبط الحفر العشوائي، باعتباره الخط الأول لحماية ما تبقى من مياه جوفية في الضالع.

