الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

مزارعو حضرموت يحيون أراضيهم بالذرة الرفيعة

بعد خمس سنوات من التوقف عن الزراعة بسبب الجفاف وتدهور الأوضاع الاقتصادية، عاد المزارع “سالم باخميس (54 عاما)” من مديرية غيل باوزير شرقي محافظة حضرموت إلى إحياء مزرعته والعمل فيها، مستعيداً مصدر دخله الوحيد الذي اعتمد عليه لعشرين عاما في تأمين غذاء أسرته.

يقول باخميس، الذي يزرع الذرة الرفيعة منذ عقود، إن الظروف المناخية والاقتصادية أجبرته على التوقف عن الزراعة عام 2019، ليعمل حينها في مهنة البناء لتأمين احتياجات أسرته، لكن مع إطلاق مشروع دعم زراعة الذرة الرفيعة بمرحلته الثانية في حضرموت، عاد الأمل إلى أرضه التي تبلغ مساحتها فدانين تقريباً.


مواضيع مقترحة


ويضيف: “لم نكن نتصور أن نعود للزراعة بهذه السرعة بعد سنوات من الانقطاع، فالأرض التي هجرتها عادت للحياة، ومعها عادت ابتسامة أطفالي، المشروع لم يمنحنا فقط بذوراً ومياه ري، بل أعاد الأمل والثقة بأننا قادرون على الاستمرار رغم صعوبة الحياة”.

تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) ومكتب الزراعة في حضرموت إلى أن المحافظة تمتلك مساحات زراعية واسعة تُقدّر بنحو 11 ألف هكتار مزروعة بالذرة الرفيعة، بإنتاج يصل إلى أكثر من 10 آلاف طن سنويا، لكن هذه المساحة لا تمثل سوى جزء بسيط من الأراضي القابلة للزراعة؛ بسبب شح المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتدهور البنية التحتية للري.

مزارعو حضرموت يحيون أراضيهم بالذرة الرفيعة
مزارعون يجنون ثمار الذرة الرفيعة في مديرية غيل باوزير شرقي محافظة حضرموت (ريف اليمن)

ووفق تقارير أممية، تراجع الإنتاج الزراعي في اليمن بنسبة 13% عن المتوسط الوطني خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الجفاف وتكرار موجات الطقس المتطرفة، وهو ما انعكس على حضرموت التي تعتمد زراعتها أساساً على الأمطار والمياه الجوفية؛ ما أدى إلى تقلّص رقعة الزراعة، وهجرة بعض المزارعين إلى مهن أخرى.

تجارب ناجحة

قصة سالم ليست استثناء، فالمشروع شمل مئات المزارعين في حضرموت، إذ وفر لهم الإرشاد الفني ومستلزمات الإنتاج وخططاً زراعية حديثة ساعدتهم على مضاعفة الإنتاج، وتخفيف معاناتهم مع تقلبات المناخ.

من بين المستفيدين أيضاً المزارع “أحمد فلوقة” من منطقة القارة الذي أكد أن المشروع ساعده على تأهيل أرضه بعد توقف دام سنوات، وأجبره على العمل في سياقة في أحد المحاجر، لكن بعد أن أتى المشروع عادت أرضه الزراعية، وعادت معه الحياة.

يقول: “استلمنا البذور والإرشاد والدعم الفني، واستطعنا أن نعيد الحياة لأرضنا، الأهم أن المشروع أعاد الثقة للمزارعين بأن الزراعة ما زالت ممكنة”.

بدأت المرحلة الأولى من المشروع في موسم 2019-2020 وحققت نجاحا مبدئيا، قبل أن تتوقف بسبب الأزمة الاقتصادية، واليوم، تعود المرحلة الثانية بعد خمس سنوات من الانقطاع لتبعث الأمل في قلوب 245 مزارعاً عبر زراعة 60 فداناً موزعة على مناطق ريفية مختلفة في حضرموت، في خطوة وُصفت بأنها بداية لنهضة زراعية جديدة في المحافظة.

المشروع شمل مئات المزارعين ووفر لهم الإرشاد ومستلزمات الإنتاج وخططا زراعية ساعدتهم على مضاعفة الإنتاج(ريف اليمن)

المشروع الذي جرى إطلاق مرحلته الثانية بدعم من السلطة المحلية في حضرموت جاء ليعزز توجهات الحكومة المحلية نحو تحقيق الأمن الغذائي، وتشجيع المزارعين على العودة للأرض، ويؤكد مدير مكتب الزراعة بالمحافظة “عبد الله العوبثاني” أن الهدف الأول هو تمكين المزارع من الاستمرار وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الأساسية.

ويضيف لـ”منصة ريف اليمن”: “الهدف أيضا يتمثل بإعادة الاعتبار للأصناف المحلية من الذرة الرفيعة التي كانت على وشك الاندثار، والتأسيس لزراعة مستدامة تعزز اقتصاد الأسر الريفية”.

تحديات وآمال

المهندس الزراعي “سالم باوزير” أوضح أن العمل في المرحلة الثانية لم يكن سهلاً، مشيراً إلى أن الفريق واجه شح المياه وصعوبة توفير البذور المحلية.

ويقول في حديثه لـ “منصة ريف اليمن”: “استطعنا عبر شراكات محلية وجهود المزارعين أن نزرع 60 فداناً بشكل منظم، ونشكر السلطة المحلية على دعمها للمشروع وإعادة الثقة للمزارعين بأن أرضهم قادرة على العطاء متى ما حظيت بالرعاية اللازمة”.

أما عن استدامة المشروع، فيؤكد العوبثاني أن السلطة المحلية تعمل على خطة طويلة الأمد لربط المشاريع الزراعية ببرامج التمويل الصغيرة وتوسيع التجارب الناجحة، مضيفاً أن استمرار الدعم سيسهم في تحقيق الأمن الغذائي المحلي، وتقليل الاعتماد على الواردات.

مزارعو حضرموت يحيون أراضيهم بالذرة الرفيعة
شدد خبراء ومشرفون في المشروع من أن أي انقطاع جديد في التمويل قد يعيد المزارعين إلى نقطة الصفر (ريف اليمن)

ويحذر الخبير الزراعي “أمجد باقويقو” من أن “استقرار المشاريع الزراعية في حضرموت مرتبط بتوافر المياه والدعم الحكومي المنتظم”، مشدداً على أن أي انقطاع جديد في التمويل “قد يعيد المزارعين إلى نقطة الصفر”.

وخلال السنوات الأخيرة شهدت حضرموت تدهورا ملحوظا في الجانب الزراعي بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتقلب نمط الأمطار، وهو ما انعكس على جودة وكمية المحاصيل، وتسبب بضغوطات هائلة على المزارعين، الذين كانوا يعتمدون على الموارد الطبيعية بشكل أساسي لضمان استدامة زراعتهم.

وبحسب ما نشرته دراسة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن عام 2022: يعاني الإنتاج الزراعي في عدد من الأقاليم من الآثار السلبية لارتفاع درجات الحرارة، والتغييرات في مستويات الطقس، وازدياد وتيرة موجات الجفاف والفيضانات، وكثافة الظروف المناخية المتطرفة، وارتفاع مستويات البحار، وتملّح الأراضي القابلة للزراعة والمياه العذبة.

شارك الموضوع عبر: