تعد دلتا تُبن بمحافظة لحج، سلة غذاء جنوبي اليمن، والقلب النابض للزراعة في الجزيرة العربية منذ عهد السلطنة العبدلية، وفيما مضى، كانت حقول الطماطم والبصل تكتسي بحلة من اللونين الأحمر والأخضر، مشكلة لوحة اقتصادية وفرت سبل العيش لآلاف الأسر.
المشهد الذي كان يزهو بالخضرة والثمار أصبح اليوم يواجه تحديات قاسية، والمزارعون الذين كانوا يفاخرون بمحاصيلهم يجدون أنفسهم أمام واقع صعب يهدد مصدر رزقهم، ما يعكس مأساة إنسانية واقتصادية في آن واحد، حيث تتراجع فرص العمل وتزداد معاناة الأسر التي تعتمد على الزراعة كدخل رئيسي.
يرسم المزارع عوام ناصر صورة قاتمة للزراعة، مؤكدا أن غياب التخطيط يمثل العدو الأول للمزارع، متجاوزا في خطورته أزمات الجفاف وتداعيات الحرب، موضحا أن الأرض لم تعد تجود بمحاصيل تسد الرمق، بل تحولت إلى عبء يثقل كواهل المزارعين بالديون والخسائر الفادحة.
يضيف ناصر لـ “ريف اليمن”، أن سوء الإدارة أدى إلى ضعف الإنتاجية مقارنة بالمساحات المزروعة، فلو وجد إرشاد زراعي جيد، لاستطاع المزارع الاكتفاء بخمسة فدادين لتحقيق ذات الإنتاج الذي يحصل عليه حاليا من عشرين فدانا، وهو ما كان سيوفر كلفة باهظة ويحد من الاستنزاف الجائر للمياه.
مواضيع مقترحة
- مأرب.. مزارعو الطماطم يواجهون أزمة غير مسبوقة
- هل الطماطم خضاراً أم فاكهة؟
- دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال
ويصف ناصر الزراعة اليوم بأنها محرقة للأموال يندفع إليها المزارع مكرهاً، إذ بلغت كلفة علبة بذور الطماطم الواحدة نحو 400 ريال سعودي، في حين قفزت أجرة العامل اليومية إلى 12 ألف ريال يمني، وهي تكلفة باهظة في ظل التدهور المستمر لقيمة العملة المحلية.
ديون وخسائر
يؤكد بأن الأمر لم يتوقف عند مستلزمات الإنتاج، بل امتد ليشمل قيمة الأرض نفسها، حيث قفز سعر الفدان الواحد كعقار إلى مليون ونصف ريال، ناهيك عن التكاليف المتصاعدة للأسمدة والمبيدات.
لافتا أن الطموحات تبخرت وحل محلها هاجس سداد الديون، مؤكداً تسجيل حالات فقدان للعقل واضطرابات نفسية حادة في منطقة الحبيل، جراء تراكم الالتزامات المالية التي لم يعد المحصول يغطي جزءاً يسيراً منها.
من جانبه يكشف المزارع فضل حسان علوي، من منطقة الوهط، عن خسارة كبيرة، ويصف علوي موسم الطماطم الحالي بأنه “موسم الخسارة المستمرة” الممتد منذ عقد من الزمن نتيجة السياسات العشوائية؛ فبينما يُباع الكيلو الواحد بـ 100 ريال، تتجاوز تكلفة قطافه هذا المبلغ الزهيد.

ويضيف بمرارة لـ “ريف اليمن” أن سلة الطماطم 20 كجم تُباع بـ 2000 ريال، وفي ذروة الكساد، يمارس التجار ابتزازاً بحق المزارعين لشرائها بـ 500 ريال فقط أي بواقع 25 ريالاً للكيلو. وتابع:”نحن نجمع الطماطم أكواماً ونرميها على جنبات الطرق وفي مجاري السيول، ليأخذها الرعاة علفاً لمواشيهم”، هذا المشهد يختزل بوضوح انهيار القيمة السوقية للمنتج المحلي في ظل غياب منظومات التبريد، والتصنيع الزراعي، والحماية الحكومية.
نزيف الأرواح
تجاوزت الأزمة حدود الدفاتر المحاسبية لتتحول إلى نزيف للأرواح؛ ففي قرية “الحبيل” بلحج، فُجع المجتمع المحلي بانتحار مزارع ضاقت به سبل العيش نتيجة تراكم ديون بلغت ملايين الريالات لفائدة تجار المبيدات والبذور وملاك الحراثات.
لم يجد المزارع مخرجاً من مأزقه سوى تناول “حبوب سامة” تُستخدم لحفظ المحاصيل من السوس، مفضلاً الموت على مواجهة قضبان السجن أو رؤية أرضه تُصادر أمام عينيه ، حيث اعتبر مزارعون الحادثة بأنها ليست مجرد واقعة معزولة، بل هي جرس إنذار لآلاف المزارعين الذين يرزحون تحت وطأة ضغوط نفسية خانقة، وديون تبدأ من 3 ملايين وتصل إلى 30 مليون ريال.
المزارع محمود عايش هو الآخر يوضح جانبا مختلف من معاناة مزارعي لحج، مشيرا إلى أن تجار المبيدات والبذور أصبحوا البديل الوحيد للبنك الزراعي الغائب، ويعتمد هؤلاء التجار على نظام البيع بالأجل، أي الدين حتى موسم الحصاد، لكن بأسعار تزيد ما بين 40% و60% عن السعر النقدي.
ناصر:الأرض لم تعد تجود بمحاصيل تسد الرمق، بل تحولت إلى عبء وغياب التخطيط يمثل العدو الأول للمزارع، متجاوزا في خطورته أزمات الجفاف وتداعيات الحرب
لافتا أن هذا الواقع يضع المزارع منذ بداية الموسم تحت وطأة ديون كبيرة، وعند انهيار أسعار المحاصيل في وقت الحصاد يجد نفسه مطالباً بسداد مبالغ تفوق قيمة أرضه، وبهذا، يتحول المزارع عملياً إلى “أجير” لدى تاجر المبيدات، يزرع ويحصد ليذهب العائد في نهاية المطاف إلى جيوب التجار، فيما تتفاقم أزمته المعيشية.
تؤكد الدكتورة لميس السروري، رئيسة مؤسسة المجد للصحة النفسية، أن الكساد الزراعي ولا سيما الخسائر الفادحة في مواسم الطماطم يمثل عامل ضغط نفسي شديد الوطأة على المزارعين، إذ تتجاوز آثاره الأبعاد الاقتصادية لتطال بعمق الصحة النفسية والاستقرار الأسري والاجتماعي.
وتضيف في حديثها لـ “ريف اليمن” أن الخسائر المتكررة في مصدر الدخل الأساسي تؤدي إلى تصاعد مستويات القلق والاكتئاب، وتعزيز الشعور بالعجز وفقدان الأمان، وقد تتفاقم هذه الحالة في بعض الحالات لتتحول إلى اضطرابات نفسية حادة وأفكار انتحارية، نتيجة التراكم الثقيل للضغوط والديون التي يعجز المزارع عن الوفاء بها.
كما تنعكس الضغوط بشكل مباشر على بنية العلاقات الأسرية، والحديث للدكتورة السروري، حيث تزداد حدة الخلافات الزوجية وينحسر التواصل الإيجابي، مما يرفع من احتمالات التفكك الأسري وحالات الطلاق.

ويصاحب ذلك انسحاب اجتماعي للمزارع، مدفوعاً بشعور بالخجل أو الفشل الشخصي، لعدم قدرته على الوفاء بالالتزامات المالية والوعود التي قطعها تجاه أسرته أو الآخرين، وما يزيد المشهد تعقيداً هو الجهل بالدعم النفسي أو الخجل من طلبه، مما يضاعف من حدة المعاناة في صمت.
مشيرة أن الكساد الزراعي لم يعد مجرد أزمة سوق، بل تحول إلى أزمة نفسية اجتماعية مركبة، تقتضي تدخلاً متكاملاً يجمع بين الدعم النفسي المبكر، والتوعية المجتمعية الشاملة، والسياسات الاقتصادية الحمائية، حفاظاً على الصحة النفسية للمزارعين وصوناً لاستقرار أسرهم.
أرقام صادمة
تكشف البيانات الواردة في كتاب الإحصاء الزراعي السنوي، معززة بالمسوحات الميدانية، عن تراجع مخيف في القطاع الزراعي بمحافظة لحج؛ ففي عام 2014، كانت المساحة المزروعة بالطماطم تبلغ 325 هكتاراً، لتهبط في عام 2022 إلى 155 هكتاراً، بنسبة انخفاض بلغت 52%.
وبحسب شهادة المزارع فضل، فإن الخسائر الفادحة للموسم المنصرم دفعت 70% من المزارعين المتبقين إلى العزوف عن الزراعة هذا العام، مما قلص المساحة الفعلية المنتجة إلى 46 هكتاراً فقط. وبذلك، تكون محافظة لحج قد فقدت نحو 85% من طاقتها الإنتاجية للطماطم خلال عقد ونصف.
يترافق الانحدار الإنتاجي مع فجوة ديون سحيقة؛ حيث يظهر تحليل التشتت المالي تفاوتاً هائلاً في حجم الكارثة؛ إذ يواجه صغار المزارعين ديوناً تبدأ من 3 ملايين ريال، بينما قفزت لدى كبار المزارعين إلى 30 مليون ريال، ليتمركز “الوسيط المالي” للديون حول 12.5 مليون ريال لكل مزارع.
السروري:الكساد الزراعي لم يعد مجرد أزمة سوق بل تحول إلى أزمة نفسية اجتماعية مركبة تقتضي تدخلاً متكاملا
وفي ظل “معادلة الإفلاس” الحالية، حيث يُباع المحصول بـ 500 ريال للسلة، يحتاج المزارع لبيع 25 ألف سلة لسداد أصل الدين فقط، وهو رقم يستحيل تحقيقه تقنياً من المساحات المتاحة في ظل ضعف التربة وشح المياه.
تتفاقم الأزمة بفعل “الهيدرولوجيا المظلمة”؛ إذ تشير دراسة للأمم المتحدة (نوفمبر 2023) إلى أن المنطقة السفلى من دلتا تُبن تعاني عجزاً مائياً مخيفاً يُقدر بـ 84 مليون متر مكعب سنوياً. ويوضح المهندس الزراعي فضل علي أن نبات الطماطم، الذي يتكون بنسبة 95% من المياه، يحتاج في مراحله الأولى إلى 200-300 مل يومياً، مما يفاقم العجز المائي ويهدد بجفاف الآبار.
غياب الحلول
ويضيف لـ “ريف اليمن” أن الاستنزاف يرفع كلفة استخراج المياه عبر مضخات الديزل المكلفة، ويؤدي إلى تملح التربة، مما يضعف جودة المحصول ويزيد الارتهان للأسمدة والمبيدات باهظة الثمن، كما يزداد المشهد تعقيداً مع تعثر مشاريع الطاقة الشمسية شتاءً (ذروة الموسم) بسبب الغيوم، مما يضطر المزارع للعودة إلى الديزل، لتجتمع عليه أزمتا المياه والطاقة في آن واحد.
يُرجع المهندس أحمد طيرم، مدير إدارة التخطيط بمكتب زراعة لحج، جذور الأزمة إلى غياب الخطط المركزية لوزارة الزراعة وتخليها عن دعم المدخلات الأساسية، بالإضافة إلى عدم التزام المزارعين بـ “الدورة الزراعية”، وهو ما يؤدي إلى إغراق السوق بالمحصول في وقت واحد، مسبباً انهيار الأسعار نتيجة خلل العرض والطلب.

وأوضح طيرم لـ “ريف اليمن” أن غياب “التعاونيات الزراعية” التي كانت تحمي المزارع من جشع السماسرة، وتوقف مصنع الطماطم في منطقة “الفيوش” منذ حرب 2014، ضاعف من حدة الكارثة.
وفي ظل الشلل الرسمي، تبرز محاولات فردية خجولة للتمرد على واقع الهدر، مثل تجربة “أم أحمد” التي بدأت مشروعاً منزليا لتجفيف الطماطم وتحويلها إلى “صلصة”، ورغم نجاحها في إنقاذ جزء من محصولها ومحصول جيرانها، إلا أن غياب التمويل والمعدات الحديثة جعل مبادرتها مجرد “نقطة في بحر” الأزمة، لتظل شاهدة على أن الحل يكمن في التصنيع الزراعي المتعثر.
بدوره كشف عبد الرب الجعفري، مدير عام مكتب الصناعة والتجارة بمحافظة لحج، لـ “ريف اليمن” عن وجود اتفاق مع مستثمر لإعادة تشغيل مصنع طماطم “الفيوش”، مؤكداً أن العقد سارٍ لمدة ستة أشهر، وفي حال عدم التنفيذ ستُسحب المناقصة ويُعاد طرحها.
موضحا أن أحد المصانع في منطقة الرباط يعمل حاليا بطاقة إنتاجية محدودة، فيما لا يزال مصنعين في طور الإنشاء، مع وعود رسمية بتنفيذ نزول ميداني لاستكمال تجهيزاتهما وافتتاحهما أمام المزارعين في وقت قريب، بما يعزز فرص الاستفادة من هذه المشاريع الزراعية الواعدة.

