السبت, يناير 10, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

كيف تُفاقم أزمة المناخ ضحايا الفيضانات؟

أفاد خبراء ومختصون أن أزمة المناخ ضاعفت من ضراوة العواصف المميتة التي أودت بحياة أكثر من 1750 شخصاً في قارة آسيا مؤخراً، وذلك عبر زيادة حدة الأمطار الغزيرة وتفاقم موجات الفيضانات. ورغم أن الأمطار الموسمية عادةً ما تصحبها فيضانات اعتيادية، إلا أن العلماء أكدوا بوضوح أن ما يحدث حالياً “ليس أمراً طبيعياً”.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية ترجمته “ريف اليمن”، فقد سجلت سريلانكا فيضانات غير مسبوقة غمرت الطوابق الثانية من المباني. أما في جزيرة سومطرة الإندونيسية، فقد تفاقمت الكارثة نتيجة تدمير الغابات التي كانت تلعب دوراً حيوياً في إبطاء تدفق مياه الأمطار من سفوح التلال.

كما طالت آثار الكوارث ملايين الأشخاص، لا سيما مع وصول إعصار “ديتوا” إلى سريلانكا، وإعصار “سينيار” الذي ضرب سومطرة وشبه جزيرة ماليزيا في أواخر نوفمبر الماضي، لتُصنف هذه الأحداث ضمن أكثر الكوارث المناخية فتكاً في التاريخ الحديث.


مواضيع مقترحة


الاحتباس الحراري وتفاقم الكارثة

أظهر تحليلٌ أجرته مبادرة “إسناد الطقس العالمي” ، وهي اتحادٌ لعلماء المناخ، أن شدة فترات الأمطار الغزيرة التي تستمر لخمسة أيام قد زادت بنسبة تتراوح بين 28% و160% في المنطقة المتضررة من إعصار سينيار، وذلك نتيجةً للاحتباس الحراري الناجم عن النشاط البشري. وفي سريلانكا، أصبحت فترات الأمطار الغزيرة أشدّ بنسبة تتراوح بين 9% و50%.

وفي حين حصدت الفيضانات أرواح ما لا يقل عن 1750 شخصاً، مع بقاء المئات في عداد المفقودين، فإن الكارثة خلّفت آثاراً صحية واسعة ونوعية؛ إذ كشفت دراسات حديثة عن ارتفاع في معدلات الوفيات الناجمة عن أمراض السكري والكلى في أعقاب العواصف، علاوة على فقدان الملايين لمنازلهم وسبل عيشهم، وكان الفقراء كالعادة هم الحلقة الأضعف والأكثر تضرراً.

وفي هذا السياق، وصفت الدكتورة سارة كيو، الباحثة في المعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية والمؤلفة الرئيسية للدراسة، هذا الوضع بأنه “مزيج كارثي” يجمع بين أمطار الرياح الموسمية التقليدية وتغير المناخ، مشددة على أن “الأمطار الموسمية ظاهرة طبيعية، لكن ازدياد شدتها بهذا الشكل هو الخطر غير الطبيعي”.

من جانبه، أكد البروفيسور لاليث راجاباكسا، من جامعة موراتوا بسريلانكا، أن أعاصير مثل “ديتوا” أصبحت تمثل “واقعاً جديداً مثيراً للقلق” لمنطقة جنوب وجنوب شرق آسيا، لما تسببه من خسائر بشرية واضطرابات اقتصادية هائلة.

وأوضح راجاباكسا الفارق الجوهري في هذه الكارثة بقوله: “اعتدنا سنوياً على فيضانات لا يتجاوز ارتفاعها 60 سم، لكن هذه المرة تجاوز المنسوب في بعض المناطق 4.5 متر؛ ما يعني أن مجرد منع وصول المياه إلى الطابق الثاني بات كفيلاً بإنقاذ الأرواح في بعض الأحيان”.

كيف تُفاقم أزمة المناخ ضحايا الفيضانات؟

التعقيد المناخي والتدخل البشري

يتفق العلماء على أن أزمة المناخ، الناجمة أساساً عن حرق الوقود الأحفوري، باتت المحرك الرئيسي لزيادة غزارة الأمطار وشدتها في مناطق عدة حول العالم؛ فمن الناحية الفيزيائية، يمتلك الهواء الدافئ قدرة أكبر على حمل الرطوبة، مما يؤدي بالضرورة إلى هطولات مطرية أكثر عنفاً.

وفي هذا السياق، فحص باحثون سجلات الطقس لتقييم أثر ارتفاع حرارة الكوكب بمقدار 1.3 درجة مئوية—كما هو الحال اليوم—ورصدوا زيادات حادة في شدة العواصف، رغم تباين التقديرات الإحصائية (بين 28% و160%) نتيجة تنوع سلاسل البيانات المناخية المستخدمة.

ورغم أن النماذج الحاسوبية واجهت تحديات في محاكاة هذه الأحداث بدقة تامة بسبب تداخل التقلبات الطبيعية مثل ظاهرة “لا نينا” وثنائي القطب في المحيط الهندي إلا أن تحليل بيانات الطقس وقياسات حرارة المحيطات أكد حقيقة ثابتة: وهي أن الاحتباس الحراري العالمي ضاعف فعلياً من حدة الأمطار المصاحبة للأعاصير.

وتعقيباً على هذه النتائج، أكدت الدكتورة مريم زكريا، من “إمبريال كوليدج لندن”، أن هذه الأحداث تبرهن على الكيفية التي يمكن بها لتغير المناخ والتقلبات الطبيعية أن يتضافرا لإنتاج هطولات استثنائية، مشددة على أنه “بينما تظل التقلبات الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من النظام المناخي، فإن خيار تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري يظل في متناول أيدينا، وهو ضرورة حتمية للحد من تطرف هذه الظواهر في المستقبل”.

سوء التخطيط وتدهور البيئة

أكدت مايا فالبرغ، من مركز المناخ التابع للصليب الأحمر: “لقد شهدت أجزاء كبيرة من سريلانكا وإندونيسيا دماراً على نطاق لم يشهده سوى قلة قليلة من سكانها في حياتهم. وللأسف، فإن الفئات الأكثر ضعفاً هي التي تعاني من أسوأ الآثار، وتواجه أطول طريق للتعافي”.

وأشارت إلى عاملين ساهما في تفاقم الآثار: هجرة الناس إلى المدن والبلدات وإزالة الغابات: “على مدى عقود، ازداد النمو في السهول الفيضية المنخفضة والدلتا وممرات الأنهار. هذه المناطق مراكز اقتصادية، بها طرق وخطوط كهرباء ومستشفيات وأسواق. لكنها أيضاً مسارات طبيعية لمياه الفيضانات.”

وتابعت: “إن إزالة الغابات وفقدان الأراضي الرطبة يقللان أيضاً من قدرة الأرض على امتصاص المياه على سفوح التلال، مما يزيد من خطر الانهيارات الأرضية، ويرفع منسوب الفيضانات في اتجاه مجرى النهر، ويحمل الحطام إلى المناطق المأهولة في سومطرة”.

من جانبه، كشف البروفيسور راجاباكسا عن الكلفة الاقتصادية الباهظة لهذه الكوارث، حيث قدرت الأضرار الأولية في سريلانكا وحدها بنحو 6 إلى 7 مليارات دولار، ما يعادل 3% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

واختتم مشدداً على أن هذه الأرقام يجب أن تمثل “جرس إنذار صاخب” يستوجب من دول المنطقة الاستعداد الجدي لمواجهة ظواهر مناخية مستقبلية أكثر تطرفاً وحدة.

شارك الموضوع عبر: