الإثنين, أبريل 13, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم

في القرى اليمنية البعيدة، حيث تعانق الجبال السحب، ثمة حكاية رياضية تروى بالشغف، حيث لا يحتاج شباب الريف هناك إلى عشب اصطناعي أو صالات مغطاة فالملاعب الترابية التي هي مسرح الأحلام من أجل لعب كرة القدم.

يتجلى هذا الشغف في مديرية بعدان في محافظة إب وسط اليمن، التي أثبتت أن الرياضة تتنفس من رئة الحواري والقرى الريفية النائية، بعيداً عن صخب الموازنات الضخمة، معتمدة على إرادة لا تنكسر.

ورغم شحة الإمكانيات يصنع الأهالي والشباب فرحتهم بأيديهم حيث يتقد الشغف فوق الملاعب الترابية، وتحتشد الجماهير لساعات تحت الشمس لمؤازرة فرقها، في مشهد يؤكد أن حب كرة القدم في اليمن لا يعترف بالمعوقات.


مواضيع مقترحة


كأس بعدان

سنويا تتصدر صور وفيديوهات كأس بعدان مواقع التواصل الاجتماعي بشكل لافت، حيث توج نادي صقور بعدان في آخر نسخة من البطولة هذا العام في المباراة التي أقيمت في 6 فبراير/ شباط الماضي في ملعب الفتح بمنطقة المحشاش التي تعد معقل البطولة.

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
الحضور الجماهير في المباراة النهائية في ملعب الفتح بمنطقة المحشاش بعدان (أبو عابد)

بدأت الرحلة البطولة في عام 2008، بفكرة بسيطة من شباب المنطقة بمجموعة من القرى في ذلك الحين، كان الهدف جمع قرى المنطقة في تنافس رياضي، لكن كرة الثلج كبرت بسرعة وانتشرت خلال السنوات الماضية بشكل لافت.

تطورت البطولة الريفية التي اختتمت هذا العام نسختها الثامنة عشر، وشملت 33 فريقاً يمثلون قرى مختلفة في مديرية بعدان ومناطق أخرى، وقبل عامين في نسختها السادسة عشر كانت البطولة مكونة من 16 فريقاً.

يتم دعم التنظيم المتواضع للبطولة من قبل شخصيات اجتماعية ورجال أعمال يمنيين ومغتربين، هذه الرعاية بدافع دعم شغف شباب الريف بكرة القدم حيث أدركوا أن الاستثمار في فرحة الشباب هو إنجاز في ظل تراكم المعاناة بسبب الحرب في البلاد.

واستطاع المصور ‹عصام الكمالي› أن ينقل سحر هذه البطولة للعالم، بعد أن فاز بالمركز الأول عالمياً لأفضل صورة فوتوغرافية ضمن جوائز الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية للعام 2024.

وقال المصور عصام، أن الصورة التقطها من نهائي كأس بعدان في دورته السادسة عشر في 11 يناير 2024، ووثقت لحظة شغف يمنية بتزاحم المشجعين من القرى الريفية، وبرزت هذه اللقطات في أهم محفل للإعلام الرياضي في العالم.

هذه الجائزة وضعت “كأس بعدان” وملاعبه الترابية وجماهيره الوفية في واجهة الإعلام الرياضي العالمي. وقال الكمالي “أن الصورة عكست شغف اليمنيين بكرة القدم، وتظهر كيف يمكن للرياضة أن تكون مساحة أمل وسط المعاناة اليومية”.

لقطة من نهائي 2026 الذي جمع صقور بعدان و 22 مايو (فيسبوك)

محاكاة الدوريات الاحترافية

يحاكي منظمو كأس بعدان الريفي الدوريات الاحترافية وبرز ذلك من خلال نهائي الدورة الأخيرة، حيث شهد تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة في افتتاح المباراة النهائية، بالإضافة إلى التغطية الموسعة للبطولة في وسائل التواصل الاجتماعي وهذا منحها شهرة.

لم تكتف البطولة بالشهرة، بل رفعت البطولة الريفية من مستواها الفني خلال السنوات الماضية، وتحديداً من الدورة 13 وحتى الدورة 18، حيث شهدت مشاركة واسعة لأبرز نجوم المنتخبات الوطنية اليمنية.

وشارك في بطولة “كأس بعدان” لاعبين محترفين من الأندية المحلية، حيث سمحت لائحة البطولة لكل فريق بإشراك خمسة لاعبين محترفين، مما رفع من حدة المنافسة والمتعة الكروية.

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
أحد ذوي الاحتياجات الخاصة أثناء تكريمه في نهائي بطولة كأس بعدان الريفية

ويحاول داعمو البطولة من رجال الأعمال تطوير البنية التحتية والتنظيمية للبطولة بما هو متوفر في مناطق ريفية نائية، حيث شهد ملعب الفتح أكبر الملاعب في مديرية بعدان وهو الملعب، إنشاء مدرجات بالحجارة للجماهير الغفيرة التي تحضر المباريات.

أما على مستوى التحكيم، فتدار المباريات باحترافية تحت مظلة لجنة الحكام بالمحافظة برئاسة الكابتن عادل عمر، وبقيادة حكام دوليين على المستوى الوطني في اليمن ويعدون حكام درجة أولى من المحافظة.

ورغم الإمكانيات البسيطة، تم تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)؛ حيث تم تجهيز كبينة خاصة، وشاشات، ونظام تصوير، وتواجد حكم مختص داخل الكابينة لضمان العدالة في المباريات.

وتبث المباريات عبر خدمات البث المباشر في وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام عدة كاميرات وهدفها إتاحة المتابعة للمغتربين ومحبي الرياضية من القرى المختلفة متابعة الحدث لحظة بلحظة وتشجيع شباب قراهم الشغوفين بكرة القدم.

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
غرفة الفار والبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمباراة النهائية في كأس بعدان 6 فبراير 2026 (فيسبوك)

زخم جماهيري

ويعتقد سكان مديرية بعدان أن الزخم الجماهيري لبطولتهم وصلت لمرحلة تستوجب على السلطات تقديم الرعاية والدعم، وتوسيع الفكرة لتشمل مناطق مختلفة وتطوير بطولة كأس بعدان بشكل خاص.

حمزة إسماعيل -أحد المهتمين بالرياضة في بعدان- يقول “إن بطولة كأس بعدان أصبحت اليوم ذات صيت واسع على مستوى الجمهورية، وباتت المديرية تمثل قبلة الرياضة في المحافظة ومع مرور الوقت، أعتقد أنها ستصبح وجهة لجميع المحافظات اليمنية”.

يضيف في حديث لـ”ريف اليمن”، “البطولة تحتاج حالياً إلى دعم أوسع وتغطية إعلامية شاملة، والأهم من ذلك البدء بتعشيب الملعب لاستيعاب مهارات اللاعبين، وتوسعة المدرجات لاحتواء الحشود الجماهيرية الكبيرة التي لم تعد المدرجات الحالية تكفيها”.

وتعتمد البطولة على ملعب ترابي واحد. وقال حمزة “نحتاج توفير ملعب آخر بجوار الملعب الحالي لتمكين إقامة أكثر من مباراة في نفس اليوم”، مضيفا “نأمل من الوزارة (الشباب والرياضة) الاهتمام بهذا العرس الرياضي”.

وقال حمزة “كرة القدم هي المتنفس الوحيد الذي يجمع كل اليمنيين بمختلف انتماءاتهم، وتطوير كأس بعدان هو انتصار للرياضة اليمنية ككل”.

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
أحد مصورين المباراة في مرتفع وبجانبه معلق المباراة في تغطية البطولة

مونديال شعبي

من جانبه رأى الصحافي الرياضي سمير القاسمي، إن “كأس بعدان” أعاد صياغة مفهوم الرياضة المجتمعية في اليمن. وقال: “ما يحدث في بعدان هو “مونديال شعبي” كسر كل القواعد البيروقراطية للرياضة الرسمية”.

ويضيف لـ”ريف اليمن”، “استطاع هذا الدوري أن يثبت أن الشغف هو الوقود الحقيقي للإبداع؛ فحين غابت الميزانيات الضخمة، حضرت إرادة أبناء المنطقة لتقدم نموذجاً تنظيمي مثير للإعجاب”.

واعتبر القاسمي “أن مشاركة محترفين رفعت من سقف الطموح الفني لدى المواهب المحلية في القرى وهذا يجعل من كأس بعدان مختبراً حقيقياً لفرز المواهب”.

ويواجه هذا الشغف الكروي في القرى الريفية تحديات الاستدامة. وقال القاسمي “لا يجب أن يبقى هذا الجهد رهيناً بالمبادرات الفردية فقط، يجب تحويل “كأس بعدان” إلى مؤسسة رياضية لرفد الأندية والمنتخبات الوطنية بدماء جديدة تربت في مدرسة التحدي”.

والبطولة الريفية في بعدان ليست مجرد نشاط رياضي، بل هو إعلان بالتمسك بالحياة والأمل وصناعة الشغف بأقل التكاليف، وتنتشر الدوريات في كثير من أرياف اليمن، وتمثل متنفس للشباب في ظل غياب كلي لأطر رسمية تنظيمية.

كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم

شارك الموضوع عبر: