الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

حشرة البق «الكتن»: كارثة صحية تنتشر في المساكن

تحولت حشرة صغيرة إلى مصدر تهديد صحي متصاعد في قرى شرعب السلام شمال غربي محافظة تعز، حيث بات البق أو ما يسمى محليا بـ«الكتن»، ينتشر في المنازل القديمة والجدران المشققة، مخلفا معاناة يومية تطال الأطفال والنساء وكبار السن.

والبق من الحشرات الصغيرة الطفيلية الماهرة في التخفي بحيث يصعب العثور عليها، ويمكن أن تشكل مخاطر صحية محتملة على جميع أفراد الأسرة لأنها من الحشرات الطفيلية التي تتغذى حصراً على الدم، مستخدمةً ما يشبه الأنبوب لاختراق الجلد وعادة ما تكون أكثر نشاطاً أثناء الليل.

تقول “أريج عبد الله الطيار”، أم لأربعة أطفال، لـ “منصة ريف اليمن”: “أولادي ما عاد يناموا من الحكة.. الكُتن صار يعيش في الفرش والجدران، وكل ليلة يعضّهم كأننا في حرب”، وتشير إلى آثار اللدغات الحمراء على جسد طفلها الأكبر؛ ما يظهر حجم المشكلة التي تعيشها الأسر في المنطقة.


مواضيع مقترحة


أما أسماء عبد الله (اسم مستعار) فتؤكد أن الحشرة انتشرت في معظم المنازل خلال العام الأخير، وتضيف: “نحرق القطن ونبخر البيت لكن نرجع نلاقيها في نفس المكان، بعض البيوت صارت مصابة بالكامل، ومع قلة الدخل ما نقدر نغير الفرش أو نشتري مبيدات آمنة”.

الظروف المناخية

وتقول أم مروان: “نحن عاجزون عن حماية منازلنا بسبب غياب الدعم”، وتضيف “نحاول بجهودنا البسيطة، لكن الكُتن يعود دائمًا، ونخشى أن تتحول هذه المشكلة الصحية إلى كارثة أكبر إذا لم يتم اتخاذ خطوات عملية عاجلة من قبل السلطات المختصة”.

تلعب العوامل المناخية دورا رئيسيا في انتشار البق المنزلي، حيث تحدد درجات الحرارة والرطوبة وهطول الأمطار مدى قدرة الحشرة على التكاثر والبقاء في البيوت الريفية.


 العسالي: للحشرة قدرة على التكيف والعيش في البيئات المختلفة ما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة في  المناطق الريفية


الخبير البيئي الدكتور “إبراهيم عبد الله العسالي” يوضح لـ”منصة “ريف اليمن” أن “الفصول الحارة والرطبة تمنح الحشرة بيئة مثالية للنمو، وهطول الأمطار يزيد رطوبة الجدران، بينما يؤدي الجفاف لإعادة استخدام الفرش القديمة، ما يسهم في نقل البق بين المنازل”.

ويشير إلى قدرة الحشرة على التكيف مع مختلف البيئات؛ فالبق قادر على العيش في البيئات الحارة أو الباردة أو ذات الرطوبة العالية؛ ما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة في القرى النائية والمناطق الريفية.

وأكد العسالي على أن الحل يكمن في الجمع بين النظافة المستمرة، وتهوية المنازل، وتعريض الفرش لأشعة الشمس، وإغلاق الشقوق في الجدران والأسرَّة الخشبية، واستخدام المبيدات الآمنة عند الحاجة.

انتشار «الكتن»

لم يقتصر انتشار البق «الكُتن» على ريف تعز، بل امتد أيضا إلى محافظات أخرى بما فيها صنعاء، مما أدى إلى معاناة كبيرة بين السكان، خصوصًا الأطفال والنساء.

“محمد عبد الجبار النائفي” مواطن من صنعاء تحدث لـ”منصة ريف اليمن” قائلا: “الكتن اجتاحت المنازل وأماكن التجمعات مثل المساجد والاستراحات، وأثرت بشكل مباشر على نوم الأطفال وراحة الأسر، نحاول مواجهة الحشرة بالحرق والتبخير، لكن دون جدوى، فهي تعود بسرعة أكبر”.

وأضاف: “الحشرة تسبب حكة شديدة وتورما، خاصة لدى الأطفال والنساء الحوامل، وتؤثر على نشاطهم اليومي وتزيد الضغط النفسي على الأسر، إذ إن كثافتها في بعض الأحياء تجعلها مشكلة مزمنة”، مؤكدا أن الحل يحتاج إلى تدخلات عملية ومستدامة من الجهات المختصة للحفاظ على صحة الأطفال وراحة الأسر.


اجتاحت الكُتن المنازل والمساجد والاستراحات، والحل يحتاج إلى تدخلات عملية ومستدامة من الجهات المختصة


رغم التحذيرات المستمرة، فإن الدعم الرسمي لا يزال محدودًا، فالمراكز الصحية تواجه نقصا في الموارد، والمبيدات التقليدية لم تعد فعالة؛ ما يجعل الحلول الطارئة غير كافية للحد من انتشار البق.

مسؤول في مكتب الصحة بصنعاء فضل عدم ذكر اسمه قال لـ”منصة ريف اليمن”: “نحاول تقديم نصائح للأهالي بشأن النظافة وتعقيم المنازل، لكن الإمكانيات محدودة، ولا نستطيع تغطية جميع القرى الموبوءة، فالمشكلة تتطلب تدخلًا واسع النطاق ودعما مباشرا من الجهات المختصة”.

وأضاف: “قمنا ببعض المبادرات المحدودة مثل توزيع مواد تعقيم وتعليم الأهالي طرق الوقاية، لكنها ترقيعية ولا تكفي لمواجهة الانتشار السريع للبق. الحل يحتاج إلى برامج استراتيجية مستمرة، ودعم مجتمعي أكبر”.

الأثار على الصحة

الدكتور “إبراهيم عبد الله الصغير” أوضح أن اللدغات المتكررة تسبب حكة شديدة وطفحا جلديا، وأحيانا التهابات ثانوية إذا لم تعالج بشكل مناسب؛ ما يجعل تأثيرها على الصحة الجسدية واضحا وملموسا، مضيفا أن آثار الحشرة لا تقتصر على الجلد، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال؛ إذ يعانون من قلة النوم والقلق المستمر نتيجة اللدغات، ما يؤثر على نشاطهم اليومي وقدرتهم على الدراسة واللعب، ويزيد الضغوط النفسية على الأسر.

وتابع: “غياب الرعاية الصحية الكافية يجعل الأسر تلجأ إلى وصفات شعبية غير آمنة لعلاج آثار اللدغات؛ ما يزيد مخاطر الالتهابات ويضاعف معاناة السكان”.


الصغير: آثار الحشرة لا تقتصر على الجلد، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال، إذ يعانون من قلة النوم والقلق المستمر نتيجة اللدغات


المهندس البيئي “عبد القادر السميطي” أوضح أن “حشرة الكتن تنتقل بسهولة عبر الأمتعة، الملابس، والأثاث المنزلي، وهي قادرة على العيش في كل البيئات تقريبا، سواء كانت حارة أو باردة أو رطبة”.

وأضاف لـ “منصة ريف اليمن”: “ينبغي على الأسر اتباع إجراءات وقائية بسيطة، مثل تنظيف المفروشات والمراتب بانتظام، تعريضها لأشعة الشمس، التخلص من الفرش التالفة، غسل الأغطية بالماء الساخن، إغلاق الشقوق في الجدران والأسرة الخشبية، واستخدام المبيدات الآمنة عند الضرورة”.

وأكد على أهمية التوعية المجتمعية من خلال تثقيف الأهالي حول كيفية الحد من انتشار البق. كما أن الالتزام بالنظافة والتهوية يمكن أن يقلل من تأثير اللدغات ويحمي الأطفال والنساء من المضاعفات المحتملة، مشددا على أهمية تدخل الخبراء لمواجهة انتشار البق في القرى الريفية.

وختم السميطي حديثه بالتشديد على أن “استخدام المبيدات الحشرية الآمنة عند الضرورة يجب أن يتم بحذر ووفق تعليمات مختصين، خصوصا في المنازل التي تحتوي على أطفال ونساء حوامل، مع الحرص على عدم الاعتماد على طرق بدائية مثل الحرق أو التدخين، فهي غير فعالة وتزيد من انتشار الحشرة”.

شارك الموضوع عبر: