في الريف اليمني، حيث تشكل الزراعة العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية، تتجلى أسمى صور التعاون الإنساني بين المزارعين الذين يوحدهم العمل في الأرض لمواجهة واقع اقتصادي صعب، وتحديات مناخية متزايدة تهدد مصدر رزقهم الأول، فيتبادلون الخبرات والأدوات، ويشد بعضهم أزر بعض في موسم الزراعة والحصاد.
يقول المزارع “سليمان علي (49 عاما)” إن “التكاتف بين المزارعين في الريف قيمة اجتماعية أصيلة تظهر روح التعاون والمساعدة المتبادلة، فالزراعة عمل يحتاج إلى جهد جماعي وخبرة متبادلة، ولا يستطيع المزارع بمفرده مواجهة ما يعترضه من صعوبات طبيعية أو اقتصادية، لذلك أصبح التعاون ضرورة لضمان استمرار الإنتاج، وتحسين المعيشة في الأرياف”.
قيمة أصيلة
ويضيف سليمان لـ “منصة ريف اليمن”: “يظهر هذا التكاتف في صور كثيرة من تبادل الخبرات الزراعية ومساعدة بعضهم في أعمال الزراعة والري والحصاد، خصوصا في مواسم الذرة التي تتطلب أيادي عاملة كثيرة، فضلا عن تبادل الخبرات الزراعية، ومشاركة المعدات”.
مواضيع مقترحة
- كيف يواجه مزارعو ريف إب مشكلة الجفاف؟
- الزراعة اليمنية: بين فاتورة الاستيراد الباهظة وآمال التصدير
- الزراعة المنزلية: وسيلة لمواجهة الضغوط المعيشية
ويشير المزارع “فاروق أحمد (30 عاما)” إلى أن التعاون بين المزارعين يسهم في تخفيف التكاليف الزراعية، حيث يتبادلون المعدات؛ مثل المحاريث والمضخات والبذور الجيدة، كما يتعاونون بالأيدي العاملة في الحراثة والحصاد، ويقدمون الدعم المعنوي والمادي لبعضهم عند الحاجة، مؤكدا أن هذا التكاتف يساعد على استقرار الزراعة واستمرارها رغم الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
في الأرياف، لا تقتصر الزراعة على كونها مصدر رزق فقط للسكان، بل هي أساس الأمن الغذائي، ومحرك التنمية في القرى، فهي تحارب الفقر والبطالة عبر توفير فرص عمل متعددة كالحفر والري والحراسة، كما أنها تقلل من نفقات شراء المواد الغذائية؛ إذ توفر لهم الأرض ما يحتاجونه من الحبوب والخضروات والفواكه.
في موسم الذَرْي – كما يوضح المزارعون – يتعاون الأهالي في وضع الذرة في باطن الأرض، حيث يشارك كل فرد من العائلة في خدمة الآخرين، ثم يرد لهم الجميل خلال موسم الحصاد، في مشهد يعكس روح الجماعة وتبادل العون، كما يعمل الجميع يدا بيد في جمع المحاصيل وترتيبها وفرزها بأقل التكاليف الممكنة؛ ما يعزز الترابط الاجتماعي، ويقلل الأعباء الاقتصادية.
الحل الأمثل
لا يقتصر هذا التكاتف على الرجال فحسب، بل تشارك فيه النساء أيضا كما تؤكد المزارعة “هدى محمد (35 عاما) بأن التعاون والتكاتف بين المزارعين يمثلان ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها الريف، حيث أصبح كثير من المزارعين غير قادرين على توفير أجور العمال الزراعيين.

وتضيف هدى لـ”منصة ريف اليمن”، أن العمل الجماعي، والتعاون المتبادل بين المزارعين في حراثة الأراضي وزراعتها وحصادها أصبح الحل الأمثل لتجاوز الصعوبات المعيشية؛ إذ يوفر هذا التكاتف الجهد المالي، ويعوض النقص في الأيدي العاملة، ويعزز روح التضامن داخل المجتمع الريفي.
وأشارت إلى أن هذه الروح التي كانت فيما مضى سمة بارزة في الأرياف، شهدت تراجعا خلال السنوات الأخيرة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وهجرة الكثيرين إلى المدن بحثا عن فرص عمل، موضحة أن الزراعة لم تعد بالنسبة للبعض مصدرا رئيسياً للدخل كما كانت في الماضي، إلا أن روح التكاتف ما زالت حاضرة بين المزارعين
أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز الدكتور “ياسر الصلوي” يرى أن التكاتف والتعاون بين المزارعين يمثلان أحد أهم مظاهر التماسك الاجتماعي في الريف اليمني، وهو جزء أصيل من تاريخ البلاد وحضارتها، خاصة في المجتمعات الزراعية التي استطاعت بفضل تعاونها مواجهة الطبيعة القاسية، وتجاوز الظروف الصعبة عبر العصور.
ويضيف الدكتور الصلوي خلال حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أن الظروف الاقتصادية الحالية زادت من أهمية التعاون بين المزارعين؛ إذ لم يعد أمام المواطنين خيارات كثيرة سوى العمل الجماعي، والتكافل لتلبية احتياجاتهم اليومية.
ياسر الصلوي: التكاتف والتعاون بين المزارعين يمثلان أحد أهم مظاهر التماسك الاجتماعي في الريف اليمني
ويؤكد أنه كلما ساد التعاون زاد التماسك الاجتماعي، وارتفعت روح الانتماء والشعور بأن المصلحة العامة مشتركة، فالخدمة المقدمة لفرد من المجتمع تُعد خدمة للجميع، وهذا يعزز روح التضامن والتلاحم داخل القرى والمناطق الريفية.
تحديات وصعوبات
وأشار الصلوي إلى أن هذه القيم ليست جديدة على المجتمع اليمني، بل متجذرة في تعاليم الدين الإسلامي الذي دعا إلى التكافل والتعاون والتضامن، مؤكدا أن استمرار هذه القيم في الحياة الريفية يعكس عمق الارتباط بين الموروث الديني والثقافة الاجتماعية.
ولفت الدكتور الصلوي إلى أن ثقافة المجتمع اليمني بطبيعتها قائمة على مبادئ التعاون والتعاضد، وأن كثيرا من الأفراد يجدون الدافع والحافز لممارسة هذه القيم من منطلق ديني واجتماعي معا، داعيا إلى تطوير هذه الروح عبر إنشاء مؤسسات وجمعيات خيرية تعاونية تدعم الفلاحين والمزارعين، بما يسهم في توجيه جهود الأفراد نحو عمل منظم ومنتج يعزز التنمية المحلية، ويقدّم نموذجاً يحتذى به في الريف اليمني.
ورغم هذا التكاتف، يواجه المزارعون تحديات كبيرة أبرزها الآفات الزراعية التي تُلحق خسائر واسعة بالمحاصيل، مثل الحريق الذي يصيب الثمار عند نضوجها فيحرقها كليا، و”الدود” الذي ينخر الطماطم والذرة والخيار، إلى جانب ذلك، يعاني المزارعون من نقص البذور الجيدة والمعدات الزراعية ومواد المكافحة؛ مما يقلل من إنتاجية الحقول ويزيد من معاناتهم.
ويؤكد المزارعون أن الزراعة ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني يجب الحفاظ عليها وتنميتها، داعين السلطات إلى الاهتمام بهم، وتوفير الدعم اللازم عبر الجمعيات الزراعية ومراكز التدريب، وتزويدهم بالأدوات الحديثة مثل مضخات الري، وبذور محسنة، ومواد مكافحة فعالة للآفات.

