“أصل إلى البيت وأنا منهك من العطش، وعندما يأتي المغرب لا أريد شيئا بقدر ما أريد شربة ماء فقط”، بهذه الكلمات يلخص المزارع جلال عبدة سنحان يوما طويلا من العمل في رمضان تحت شمس ريف إب، حيث يتقاطع الصيام مع العمل الزراعي الشاق في مشهد يومي يعيشه آلاف المزارعين في القرى الجبلية.
في الأرياف لا يبدأ الصائمون بالراحة بعد السحور كما هو الحال في المدن، فمع بزوغ الفجر يخرج الرجال والنساء إلى أعمالهم المعتادة، بين الحقول والجبال والآبار، في سباق يومي مع الشمس وندرة المياه، ولا تملك معظم الأسر رفاهية التوقف عن العمل، حتى في أكثر الأيام حرارة.
تزداد المعاناة في كثير من قرى المحافظة مع أزمة المياه، حيث يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة يوميا للوصول إلى الآبار وجلب الماء إلى منازلهم، ورغم أن شح المياه لا يستمر طوال العام، إلا أن العديد من القرى تستقبل رمضان غالبا في فترات الجفاف، ما يجعل الصيام أكثر قسوة ويحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى مهمة شاقة.
مواضيع مقترحة
- نساء الريف في رمضان: كفاح مضاعف بين الوادي والمنزل
- المهمشون في رمضان.. معاناة مستمرة وحرمان مضاعف
- ‹ألعاب رمضان› إرث شعبي يروي حكاية الريف
رحلة يومية شاقة
قرى عديدة بمديرية العدين ومناطق أخرى من ريف إب، يصبح الحصول على الماء جزءا من الروتين اليومي للسكان، فلا توجد شبكات مياه منتظمة، ولا مشاريع خدمية قادرة على تخفيف العبء عن الأهالي، ما يدفع الرجال والنساء إلى التوجه نحو الآبار أو منابع المياه حاملين الجوالين في رحلة تبدأ غالبا مع الفجر حتى قبل أن تشتد حرارة الشمس.
لا تتوقف معاناة حميد عند العمل اليومي فقط، فهو يعاني أيضا من مرض السكري، ما يجعل الصيام والعمل تحت حرارة الشمس أكثر صعوبة، ومع ذلك يواصل يومه المعتاد، لأن توقفه عن العمل يعني نقصا في احتياجات أسرته.
بعد السحور تخرج نور سعيد (40 عاما) على صوت العصافير لتبدأ يوما جديدا من العمل المتواصل، تجمع أغنامها وتتجه نحو جبل يدعى “القاهر”، حيث تقضي ساعات طويلة في رعيها بين الصخور والمنحدرات.
في الأرياف لا يبدأ الصائمون بالراحة بعد السحور فمع بزوغ الفجر يخرج الرجال والنساء إلى أعمالهم المعتادة، بين الحقول والجبال والآبار
المسافة بين منزلها والجبل طويلة، والطريق إليه وعر ومتعرج، ما يجعل الرحلة شاقة حتى في الأيام العادية، فكيف وهي تسيرها في نهار رمضان، وتقول نور لـ”ريف اليمن”:”أخرج بدري قبل ما تشرق الشمس، لأنه في رمضان لو خرجت والشمس طالعة أتعب وأعطش بسرعة، خاصة أن الطريق للجبل بعيد ومتعب.”
تقضي نور ساعات طويلة في الجبل تراقب أغنامها وهي ترعى، قبل أن تبدأ رحلة العودة نحو المنزل، لكن العودة لا تكون خفيفة؛ إذ تحمل معها حزمة من الحطب الذي تجمعه أثناء الرعي لاستخدامه في الطهي، وتضيف: “أرجع الظهر وعلى رأسي حزمة الحطب وقدامي الغنم.”
الأرض تنتظر
رغم التعب، لا ينتهي يومها عند ذلك، فبعد الوصول إلى المنزل تبدأ أعمالها المنزلية المعتادة، قبل أن تعود في فترة العصر مرة أخرى إلى الجبل لرعي الأغنام حتى المساء، وهكذا يمضي يومها في رمضان، بين الصيام والعمل والتنقل في الجبال.

بالنسبة للمزارعين في الريف، لا يتوقف العمل في رمضان، فالموسم الزراعي لا ينتظر، يقول المزارع جلال عبدة سنحان من ريف العدين: “رمضان في القرية غير المدينة. في المدينة يتسحر الإنسان وينام، لكن في الريف نصحى للسحور ونصلي الفجر، وبعدها لا يوجد نوم لأن الأرض تنتظرنا.”
ويضيف:” بعد صلاة الفجر يبدأ يوم العمل مباشرة، حيث يتوجه المزارعون إلى الحقول لمواصلة أعمال الزراعة المختلفة، بدءا من تجهيز الأدوات وتحضير الأرض، مرورا بجلب المياه، وانتهاء بالعودة إلى المنازل قبيل المغرب منهكين من التعب.
جلال:في الصباح يكون الصيام خفيفا على الجسد، لذلك نستمر بالعمل، وعندما ترتفع الشمس يبدأ التعب فنستظل قبل أن نعود لإكمال العمل
الزراعة في ريف إب ليست مجرد عمل يومي، بل منظومة من الطقوس الزراعية التي تبدأ قبل أشهر من موسم الأمطار. يقوم الفلاحون بتهيئة الأرض عبر مراحل متسلسلة مثل البتول والتجريف والتبريح، وهي عمليات تهدف إلى تنظيف الأرض من الأحجار والأشواك، وتجهيزها لاستقبال الزراعة.
سباق مع الشمس
يصف جلال عبدة سنحان تفاصيل يومه في الحقل قائلا: “نأخذ الشريم والحزبة، ونجهز الجواني، ثم ننطلق مباشرة إلى الأرض. أحاول أن أسبق الشمس، لأنه لو تأخرت ستكون الشمس صعبة جدًا مع الصيام، فالعمل بلا أكل أو شرب يرهقك سريعا”.

ويضيف:” في الصباح يكون الصيام خفيفا على الجسد، لذلك نستمر بالعمل، لكن عندما ترتفع الشمس يبدأ التعب يشتد، فنحاول أن نجد ظل شجرة لنرتاح قليلًا قبل أن نكمل العمل.”
مع اقتراب المغرب ينتهي يوم طويل من العمل الشاق تحت الشمس، يقول جلال:”أصل إلى البيت وأنا منهك من العطش، وعندما يأتي وقت الفطور لا أريد شيئًا إلا شربة ماء.”
هكذا تمضي أيام رمضان في ريف إب، حيث يجتمع الصيام والعمل تحت حرارة الشمس في اختبار يومي للصبر والقوة، فالأرض لا تنتظر، والموسم لا يتوقف، وسكان الريف يواصلون يومهم بين الحقول والجبال حتى يحين أذان المغرب.

