تواجه الزراعة في اليمن تحديات متعددة، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات للتوسع الزراعي، يتكبد المزارعون خسائر كبيرة في كل موسم بدلا من جني الأرباح، ويصطدمون بواقع مرير يفتقر لأدنى مقومات الحماية والنمو، لا سيما في ظل غياب رؤية وطنية لاستيعاب فائض الإنتاج وتحويله إلى صناعات تحويلية مستدامة.
المزارع جهلان الحاشدي (27 عاماً) رغم وفرة محصول الطماطم الذي جادت به أرضه هذا الموسم، اصطدم بواقع السوق المتردي، عقب انخفاض الأسعار إلى مستويات قياسية، حيث أصبح سعر الكيلوجرام الواحد أقل من تكلفة إنتاجه الفعلية.
لم تتوقف معاناة الحاشدي عند انهيار الأسعار فحسب، بل امتدت لتكشف عجز البنية التحتية، إذ يوضح لـ “ريف اليمن” أنه حاول إنقاذ محصوله عبر التخزين، لكن مساعيه خابت نتيجة انعدام المصانع أو المنشآت التحويلية القريبة التي تضمن حفظ المنتج أو معالجته.
مواضيع مقترحة
- مزارعو البصل في مأرب: إيقاف التصدير يضاعف الكساد والخسائر
- عميد كلية ناصر لحج: التعليم التطبيقي مفتاح الأمن الغذائي
- الزراعة العضوية.. بين تحديات الواقع وآمال المزارعين
فائض وكساد
يقول الحاشدي:”كنت متفائل بهذا الموسم، وكان الإنتاج وفيراً، وتوقعت دخلاً مجزياً يغطي احتياجات عائلتي، لكنني اضطررت في نهاية المطاف لبيع المحصول بخسارة فادحة، وهو ما ألقى بظلاله القاسية على استقرارنا المعيشي”.
يرى الدكتور أحمد محرن، أستاذ قسم البساتين بجامعة لحج، أن ضعف البنية التحتية، وغياب الحوافز، وانعدام التخطيط القائم على البيانات، عوامل تكرّس حالة الكساد؛ مما يُكبد المزارعين خسائر مباشرة تتراوح بين 25% و45% من قيمة الإنتاج.
ويؤكد أن العائق الحاسم ليس فنياً أو تمويلياً، بل يكمن في غياب سياسة “صناعية زراعية” موحدة وتضارب الصلاحيات بين الجهات المعنية.
لافتا أن السياسات الزراعية ركزت تاريخياً على التوسع الأفقي وزيادة الإنتاج، مع إغفال الربط الاستراتيجي بعمليات التخزين والتصنيع والتسويق، مشيراً أن إدارة القطاع الزراعي تتم بمعزل عن وزارة الصناعة وهيئات الاستثمار، مما يترك الفائض عرضة للتلف السريع أو البيع بأسعار زهيدة.
من جانبه، أكد المهندس عبد الرؤوف الصبري، مدير المواصفات وضبط الجودة بالإدارة العامة للتسويق الزراعي أن اليمن يفتقر لمنظومة وطنية لاستيعاب الفائض، وهو ما يترجم إلى خسائر بمليارات الريالات سنوياً. ويعزو الصبري هذا الإخفاق إلى هشاشة البيئة الاستثمارية وتراجع القوة الشرائية.
وفي حديث لـ “ريف اليمن” قدر الصبري حجم الفاقد في محاصيل الخضروات والفواكه بأكثر من 40%، مشيراً إلى أن المصانع المحلية تعمل دون طاقتها القصوى وتقتصر أنشطتها على المواسم فقط، في ظل نقص حاد في وحدات التجفيف والتحويل التي يمكنها تقديم منتجات وطنية منافسة.
معضلة التسويق
المهندس الزراعي صديق جبريل تيطرح ساؤلاً جوهرياً: “لمن نزرع ولمن ننتج؟” في إشارة واضحة إلى الفجوة بين وفرة التنوع النباتي وغياب الأسواق المنظمة، وهو ما يعزز الارتهان للاستيراد ويستنزف العملة الصعبة.
ويرى أن المواسم الزراعية تعيش صراعاً مستمراً بين زيادة الإنتاج وكساد السوق نتيجة غياب الكيانات المعنية بالتصنيع، ما يحرم المزارع من الدخل المستدام ويعيق تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وأوضح جبريل لـ “ريف اليمن” أن المخرج الحقيقي يكمن في إنشاء وحدات تصنيع ومعامل لتحويل الفائض إلى سلع استهلاكية، مما يضمن استقرار الأسعار وتعزيز الأمن الغذائي، مشددا على ضرورة الدعم الحكومي لتوسيع الرقعة الزراعية المخططة.
لافتاً إلى أن مناطق استراتيجية مثل تهامة والجوف، التي تُعد “سلة اليمن الغذائية”، لا تتجاوز المساحة المستغلة فيها 5% فقط، داعياً إلى تفعيل التصنيع لتقليل معدلات البطالة والهجرة.

عبد الرحمن فتيني، أحد كبار مزارعي الحديدة، يؤكد أن اتساع الهوة بين الإنتاج وتراجع القوة الشرائية ألحق ضرراً مباشراً بالمزارعين. ويختصر فتيني الحل في الزراعة التعاقدية لخلق بيئة تكاملية بين المزارع والمستثمر، وتطوير آليات التسويق عبر إزالة العوائق وتسهيل النقل.
ويشير إلى أن مواسم انخفاض الأسعار باتت تمتد لفترات طويلة منذ عام 2019، مما يتطلب تنسيقاً بين وزارات الزراعة والصناعة والنقل لجذب الاستثمارات.
و كانت دراسة ميدانية أجريت عام 2022 قد كشفت عن وجود 470 هيئة ووسيطاً تسويقياً في اليمن، إلا أن النتائج أظهرت ضعفاً حاداً في آليات التسعير ناتجاً عن معوقات إدارية وتعدد الوسطاء.
وفي دراسة متخصصة حول الانتاج الزراعي يشير الدكتور إسماعيل محرم إلى أن التسويق هو المحرك الأساسي للإنتاج؛ فرغم التحديات، تذبذبت قيمة الصادرات الزراعية اليمنية لترتفع من 198 مليون دولار عام 2002 إلى ذروتها في 2021 بواقع 614 مليون دولار.
ويرى محرم أن القطاع الزراعي اليمني يمر بتحول تاريخي في “التركيب المحصولي”، منتقلًا من “زراعة الكفاف” إلى “الزراعة من أجل السوق”. هذا التحول يفرض ضرورة ملحة لتطوير منظومة التصنيع والتسويق المنظم، لضمان تحويل الإنتاج إلى دخل مستدام يخدم الاقتصاد الوطني ويحقق الاستقرار للمزارع اليمني.
غياب التخطيط
أما الدكتور عادل الهجامي، أستاذ البستنة بجامعة صنعاء، قال إن الدور الحكومي لا يزال حبيس الجانب الإرشادي التقليدي، مع غياب ملموس للتخطيط الزراعي والصناعي الاستراتيجي، إذ يميل القطاع الخاص إلى تحقيق الأرباح السريعة عبر الاستيراد، مفضلا إياه على الاستثمار طويل الأمد في التصنيع الزراعي، رغم الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي يضمنها هذا المسار للاقتصاد الوطني.

وأكد الهجامي لـ “ريف اليمن” أن هذا القصور يترجم فعلياً إلى خسائر مادية فادحة تُقدر بالملايين سنوياً نتيجة تلف محاصيل استراتيجية كالطماطم والمانجو والبطاطس. ولا تتوقف الأضرار عند الجانب المالي، بل تمتد لتشمل خسائر استراتيجية تتمثل في إحباط المزارعين وعزوفهم عن الإنتاج؛ مما يدفعهم لهجرة الريف وترك الأراضي، وهو ما يهدد بوضوح الأمن الغذائي القومي.
كما حدد الهجامي عوائق جوهرية تحول دون نهضة التصنيع الزراعي، أبرزها: تهالك البنية التحتية غياب سلاسل التبريد والطاقة المستدامة، والتحديات التمويلية المرتبطة بارتفاع مخاطر الاستثمار في ظل غياب التسهيلات البنكية، مشيراً إلى العوائق التشريعية المتمثلة في غياب القوانين الحمائية للمنتج المحلي أمام منافسة المستورد، فضلاً عن ضعف ثقافة التصنيع لدى كبار المستثمرين.
وبحسب الهجامي فإن المخرج الحقيقي يكمن في تبني استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على إنشاء شركة مساهمة مجتمعية للتسويق والتصنيع الزراعي، واعتماد سياسة “إحلال الواردات”، مشدداً على ضرورة توطين الصناعات التحويلية في مناطق الإنتاج الرئيسية تهامة والجوف ومأرب وحضرموت؛ لضمان استدامة القطاع وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.

