تتنوع الوجبات الشعبية اليمنية خلال شهر رمضان المبارك، لكن اللحوح يأتي في صدارة المائدة بوصفه أحد أهم الأطباق التقليدية التي ارتبطت بالمائدة الرمضانية، خصوصا في الأرياف، قبل أن يمتد حضوره إلى المدن ويصبح جزءا أصيلا من هوية الإفطار اليمني.
لا ينظر إلى اللحوح على أنه مجرد خبز تقليدي، بل يعد ركنا أساسيا في وجبة الإفطار، وطبقا يحمل أبعادا اجتماعية وثقافية متوارثة، فوجوده على المائدة يمنحها طابعها الرمضاني، ويستدعي في أذهان الكثيرين ذكريات الطفولة وروح المشاركة بين الجيران.
يرتبط اللحوح بطبق “الشفوت”، الذي يعد من أشهر الأطباق المصاحبة له، حيث يمزج بالحقين (اللبن الرائب) والبهارات والفلفل، ليشكل وجبة خفيفة وغنية في آن واحد، تساعد الصائم على استعادة نشاطه بعد يوم طويل من الصيام.
مواضيع مقترحة
- نساء الريف في رمضان: كفاح مضاعف بين الوادي والمنزل
- بائعات اللحوح.. صائمات يكافحن الفقر
- رمضان في ريف اليمن: تكافل اجتماعي وأهازيج تراثية
يقول الحاج محمد سيف إن مائدة الإفطار تعد ناقصة إن لم تتوسطها أطباق اللحوح والشفوت، مؤكدا أن الصائم لا يشعر بتمام وجبته إلا حين يتناول الشفوت الممزوج بالبهارات والفلفل الحار، وهي خلطة تفتح الشهية بطريقة اعتاد عليها الناس منذ زمن بعيد.
ويضيف سيف لـ “ريف اليمن”، أن هذه العادة لم تتغير رغم تنوع الأطعمة الحديثة ودخول أصناف جديدة إلى المائدة الرمضانية، إذ بقيت مكانة اللحوح محفوظة في قلوب الناس قبل موائدهم، وتعد الوجبة الأهم في الأرياف اليمنية وحتى المدن.
تحرص الأسر الريفية على توفير الذرة البيضاء، المكون الرئيسي في صناعته، سواء من محصولها الزراعي أو عبر شرائها من الأسواق المحلية، وتقول الحاجة نور قائد إنها تبدأ بالاستعداد لرمضان بتجهيز الذرة البيضاء من خلال طحنها وتجهيزها خصيصا لإعداد هذا الطبق في طقس سنوي يرسخ ارتباط الشهر بالأرض ومواسمها.

تضيف نور لـ “ريف اليمن”، :”إذا لم نجد الذرة في مخزون المنزل من محصول الزراعة، نسارع إلى شرائها من السوق، وغالبا خلال السنوات الأخيرة نقوم بشرائها بسبب تراجع الغلة نتيجة نقص الأمطار، وما إن تتوفر حتى تبدأ بطحنها استعدادا لصناعة اللحوح”.
يحضر في رمضان التكافل الاجتماعي، إذ تشير نور إلى أن تبادل الذرة البيضاء بين الجيران يعد تقليدا راسخا في القرى، حيث يمنح من يملك لمن لا يملك، في صورة تجسد روح التكافل الاجتماعي التي يحييها رمضان كل عام.
كما تؤكد أن من أجمل الهدايا التي ترسل إلى الأقارب والأصدقاء المقيمين في المدن هي اللحوح مع “الحقين”، أو حتى حبوب الذرة البيضاء لمن لا يستطيعون الحصول عليها، حتى يتمكنوا من إعداد هذا الطبق الذي يختصر طعم القرية وحنينها.
تفاصيل صناعة اللحوح
من جانبها تروي فاطمة مهدي تفاصيل إعداد اللحوح، موضحة أن العملية تبدأ بخلط طحين الذرة البيضاء مع الخميرة وقليل من الحبة السوداء والملح، ثم يضاف الماء تدريجيا حتى يصبح الخليط خفيف القوام، أقرب إلى السائل منه إلى العجين المتماسك.
وتضيف: “يترك الخليط لساعات حتى يتخمر جيدا، وبعد ذلك يسكب الخليط على صفيحة خاصة تعرف محليا بـ“الملحة”، وهي أداة تقليدية تصنع من الطين، وتوضع فوق موقد الحطب، ويتميز اللحوح بسطحه الإسفنجي المليء بالثقوب الدقيقة، نتيجة عملية التخمير، ما يجعله قادراً على امتصاص المكونات التي يُقدّم معها.

موضحة أن معظم البيوت تبدأ صناعة اللحوح بعد صلاة الظهر خاصة الأسر الكبيرة، وهناك أسر تبدأ من بعد العصر، حيث تتصاعد أعمدة الدخان من المواقد، وتنتشر رائحة اللحوح الطازج الممزوجة بالدخان، في الأزقة، وهي رائحة يصفها الأهالي بأنها “نكهة رمضان المميزة.
وتؤكد أن لا رمضان إلا مع اللحوح، مشيرة أن أبناءها المقيمين في المدينة، لا تخلو اتصالاتهم من الحنين إلى أجواء القرية واللحوح، إذ يؤكدون في كل مرة أن رمضان لا يكون رمضان إلا هناك، حيث تتصاعد رائحة الدخان من كل بيت، وحيث يصنع اللحوح وتصنع معه التفاصيل التي تبقى عالقة بالذاكرة.
ويحظى اللحوح بمكانة خاصة في الوجدان الشعبي، إذ يرتبط بطقوس الإفطار ويعد جزءا من الهوية الغذائية التي تتجدد كل عام مع نفحات رمضان، ورغم التغيرات التي طرأت على نمط الحياة في المدن، حافظ اللحوح على مكانته في المائدة الرمضانية.

ويقول مختار الشرعبي إن اللحوح يتواجد في الأسواق الشعبية بالمدن، لافتا أن العديد من الأسر تقوم بصناعته بالمنازل وإرسال من يقوم ببيعه في الأسواق، محافظين على نكهة رمضان، ومتخذين منه مصدر دخل، حيث يشهد إقبالا متزايدا خلال الشهر الفضيل.
ويضيف لـ”ريف اليمن”،” تواجد اللوح في المدن يشعرك بارتباطك بالريف حيث المصدر الأصلي والأول لهذا الطبق المشهور، مشيرا أن طبقه لا يخلوا ابدا من وجبة الشفوت، مهما احتوت المائدة من طعام، يبقى الشفوت هو نكهة رمضان.
ويمثل انتقال اللحوح من الريف إلى الحضر دليلا على قدرة الأطباق التراثية على الصمود أمام الحداثة، حيث أن الأطباق التراثية لا تعرف حدودا جغرافية، بل توحدها الذاكرة الجمعية والحنين إلى النكهات الأصيلة التي تجمع الناس حول مائدة واحدة.

