تعتبر صناعة الأدوات الخشبية من أشهر الحرف التقليدية في اليمن، حيث تمثل مرآةً للهوية وذاكرةً حيةً تنطق بتاريخ عريق صاغته الأجيال عبر القرون، وجسَّد فيها الحرفي اليمني قدراته الفريدة على تحويل الأخشاب الصلبة إلى قطع فنية تمزج بين الجمال والفائدة.
الحرفي ناجي حسين، 78 عامًا، أحد اليمنيين العاملين في صناعة الأخشاب، يؤكد لـ “منصة ريف اليمن”، “أن اختيار الأخشاب ليس مجرد عملية عشوائية، بل أعتمد فيه على معرفة عميقة بطبيعة الخشب وأصله”.
يوضح حسين أن أبرز الأخشاب السدر والطنب والطلح والبرقوق والحمر الذي يشتهر بمتانته وجودته العالية، ويمتاز بجذوره العميقة وساقه القوي، ما يجعله مناسبًا لصناعة أدوات خشبية متينة وطويلة الأمد، تتسم بالصلابة وتكون خالية من العيوب أو الشقوق.
مواضيع مقترحة
- حياكة الحَظْوة في تهامة: مهنة يدوية تقاوم الحداثة
- الأبواب القديمة: حكاية الزمان والمكان
- صنعاء القديمة.. حاضرة اليمن ورمزها الحضاري العريق
ورث ناجي حسن مهنة صناعة الخشب عن جده، ومن بعض الحرفيين الذين كانوا يعملون معه موضحاً بأنه تعلم التمييز بين أنواع الأخشاب ومعرفة خصائصها، واختيار الأنسب منها، إلى جانب التمعن في العيوب التي قد تؤثر على جودة المنتج النهائي.
مهنة الأجداد
ويضيف حسن الذي ينحدر من صنعاء: أنا كحرفي أعمل في هذه الحرفة باستمرار، وأفضل الأشجار التي تنمو في بيئات خاصة مثل المناطق الجبلية أو على أطراف الأودية، حيث تكون الأخشاب أكثر صلابة وأكثر مقاومة للتآكل.
يقول المهندس عبدالرزاق الأغبري ورئيس قسم الحرف التقليدية في الهيئة العامة للحفاظ على التراث “منذ مئات السنين استطاع الحرفي اليمني أن يطوّع الأخشاب الصلبة بنحتها بدقة عالية وتحويلها إلى نوافذ وأبواب وأوانٍ خشبية عملية وزخرفية في آنٍ واحد”. بأي محافظة هل في صنعاء أم في عدن؟
وأكد الأغبري لـ “منصة ريف اليمن” هذا الإبداع لم يكن وليد الصدفة بل نتيجة تراكم خبرات طويلة وفهم عميق لطبيعة الخشب وكيفية التعامل معه بما يتناسب مع الاحتياجات الجمالية والمعمارية للبيئة اليمنية.

يبدأ الحرفي في عملية التجهيز التي تتطلب مهارات عالية، حيث يبدأ بتقطيع الأخشاب إلى الأبعاد المناسبة باستخدام الأدوات اليدوية التقليدية مثل الفؤوس والمناشير، ويعتمد في هذه العملية على قياسات دقيقة تضمن توافق الأجزاء مع بعضها البعض في المنتج النهائي.
ثم بعد التقطيع، يتم تنعيم الأسطح باستخدام أدوات خاصة من أجل الحصول على نعومة وسطح أملس جاهز للزخرفة أو التشكيل، مثل السكاكين والأزاميل والحفارات والمطارق والمبارد.
يؤكد المهندس الأغبري أن من أفضل أنواع الخشب خشب الطنب لأنه يصمد لمئات السنين دون أن تهاجمه الأرضة (وهي حشرات تتلف الخشب) أو يتأثر بالتغيرات الجوية والمناخية. فهو إلى جانب قوته ومتانته، ممتاز للنحت والقطع، فلا يلتوي ولا يتأثر مهما كانت آلة القطع أو النحت قوية.
الصناعة والزخرفة
وأضاف: “أما خشب الطلح فيتم استخدامه في صنع الأبواب الخارجية لصلابته، إلا أنه غير مرغوب فيه كثيرًا نتيجة قابليته للتشظي، ولذلك لا يُنفَّذ العمل فيه إلا إذا كان أخضر. وأفضل ما يُصنع منه المحاريت.”
وتابع: “أما خشب الحُمَر وخشب البرقوق، فيُستخدمان في صنع قطع الأثاث التي تحتاج إلى خراطة، مثل أقطاب المداعب ومشاربها، قبل تزيينها وتطريزها بالفضة”.
على الرغم من التطور التكنولوجي إلا أن الحرفيين اليمنيين حافظوا على مهاراتهم التقليدية التي ورثوها عن أجدادهم
حامد الراعي، 55 عامًا، أحد أبرز الحرفيين في هذه المرحلة، يقول: “أعمل على التشكيل والزخرفة وتحويل القطع الخشبية إلى قطع فنية تحمل لمسات جمالية تعكس الزخرفة والتنقيش والحفر على الأسطح بأدوات دقيقة”.
ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “أستخدم أشكالًا هندسية وزخارف نباتية وأحيانًا رموزًا تاريخية أو دينية. ومن أبرز هذه الزخارف كانت النقوش التي تمثل الطراز اليمني التقليدي، والتي تتضمن أشكالًا مزخرفة كالزهور والأقواس والدوائر المتداخلة والتصاميم اللافتة التي تعكس الذوق الرفيع”.
ويقول الراعي: “نقوم بصنع الأبواب والنوافذ الخشبية المزخرفة بدقة شديدة لتتناسب مع الطابع المعماري التقليدي، وكذلك صنع صناديق الحبوب والأدوات الزراعية وأدوات الطهي”.
وقديماً كان الحرفيون جزاءً من بنية الأسواق اليمنية القديمة، حيث وفرت فرص عمل للكثير من الشباب وصدرت منتجاتها إذ إن الأدوات الخشبية التي كان ينتجها الحرفيون لها دور أساسي في الحياة العامة.
أدوات مختلفة
ومن أبرز تلك الأدوات التي كان يتم تصنيعها: الأبواب الخشبية والنوافذ المزخرفة الجميلة، والمتقنة الأثاث مثل الطاولات والكراسي والقعايد التهامية، أسرّة النوم، صناديق خشبية لحفظ الحبوب، المساطر الخشبية، المطارق الخشبية، النول اليدوي في حياكة القماش، الملاعق الخشبية، الرفوف، الخزائن، القوالب الخشبية في صب الخرسانة، وأدوات التقطيع والمصنوعات المنزلية المختلفة.

بالإضافة إلى أدوات الزراعة مثل المجارف والمحاريث والمناجل والفؤوس التي تُستخدم في الحقول الزراعية. ورغم أن هذه الأدوات تهدف إلى الاستخدام اليومي، إلا أن دقة العمل تجعلها تبدو كقطع فنية تحمل في طياتها عبق التراث والهوية اليمنية.
على الرغم من التطور التكنولوجي وظهور الآلات الحديثة في العصر الحالي، إلا أن الحرفيين اليمنيين حافظوا على مهاراتهم التقليدية التي ورثوها عن أجدادهم.
وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي يواجهها هذا القطاع في الوقت الراهن، مثل صعوبة الحصول على المواد الخام نتيجة النزاعات، إلا أن هذه الحرف التقليدية لا تزال تُمارس في بعض المناطق، مما يشير إلى قدرة الإنسان اليمني على الاستمرار في الحفاظ على هويته الثقافية.
ويقول المختص في فن نحت الاخشاب فهد الأعرج، إن الحل لصعوبة الحصول على المواد يكمن في تعاون الجميع العمال والسلطات المحلية والمنظمات الدولية للعمل على استدامتها من خلال زراعة الأشجار وتطوير مهارات الحرفيين وحماية هذه الحرفة لأنها جزء من الهوية اليمنية. ويؤكد:”إذا توحدت هذه الجهود يمكن للقطاع أن يستمر ويصمد رغم الظروف”.

