الإثنين, يناير 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الإعاقة في الريف.. أطفال يدفعون ثمن غياب الخدمات

لم يكن الثالث من ديسمبر، اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، سوى تذكير إضافي للأسر الريفية بما تعانيه طوال العام، ففي المناطق الوعرة المحيطة بمديرية جبل حبشي غرب تعز، تتوارى حياة كاملة خلف الجبال؛ يعيش فيها أطفال من ذوي الإعاقة خارج دائرة الرعاية، محرومين من الخدمات الصحية والتعليمية، بينما تتحمل أسرهم عبء البقاء وحدها في مواجهة واقع قاسٍ وممتد.

من بين هذه الأسر تقف “فاطمة صالح”، أم لستة أبناء، يحمل صوتها المتحشرج حكاية تشبه حكايات مئات الأسر الأخرى التي تخوض معركة يومية من أجل حياة أطفالها؛ معركة بلا دعم، ولا مؤسسات، ولا يد تمتد إليهم.

تسكن فاطمة في منزل بسيط تحاصره الجبال والطرق الوعرة في ريف جبل حبشي، ولديها طفلان يعانيان من إعاقة خلقية دائمة، تقول لـ”منصة ريف اليمن”: “أطفالي منسيون تماماً. لم نر دعماً ولا زيارة ولا حتى سؤالاً، سنوات طويلة مرت دون أي متابعة صحية أو تقييم طبي، حتى العلاج البسيط كالتمارين اليومية لم نعد قادرين على توفيره بعد أن تدهور وضعنا المعيشي”.


مواضيع مقترحة


وتشير إلى أن رعاية طفليها المعاقين – في بيئة تفتقر لأبسط الخدمات والرعاية الطبية – تمثل كفاحا يوميا، فغياب المراكز الصحية وصعوبة التنقل والوضع المادي المتدهور جميعها تتحول إلى تحديات هائلة على عاتقهم، موضحةً أنها لم تستطع توفير الأساسيات لهم، ولو حتى العلاج الخاص بهم، وأن وضعهم المادي لم يسمح لذلك، حد تعبيرها.

عمر، ذو السنوات السبع، يحمل تشوها خلقيا يستوجب رعاية مستمرة، بينما تعاني شقيقته جنات (خمس سنوات) من صعوبة في الحركة والاستيعاب يجعل من أبسط تفاصيل يومها تحديا مرهقا، تقول فاطمة إن صراخ جنات المستمر يزيد ألم العجز الذي تعيشه الأسرة.

أوجاع مهملة

تعيش عشرات الأسر في ريف جبل حبشي الظروف نفسها؛ إذ ترعى أطفالًا من ذوي الإعاقة وسط أوضاع معيشية واقتصادية وإنسانية بالغة القسوة، الأمر الذي تحول إلى عبء أكبر على كاهل الأسر، خصوصًا أن معظم الأسر قد فقد معيلها مصادر دخلهم، وأصبحوا يعملون بأجر يومية لا يكاد يسد الرمق، ليجدوا أنفسهم في معركة دائمة مع الحياة من أجل البقاء.

وبرغم الواقع المرير، لا تزال فاطمة متمسكة بالأمل، تحلم بأن يحظى طفلاها برحلة علاجية ويحصلان على رعاية صحية تعيد إليهما جزءًا من حياتهما، وتعوض ما فقداه طوال سنوات من عمرهم، وأن يعيشا بكرامة، حد تعبيرها.

لا يختلف حال الطفلة رهف عارف عن وضع عمر وجنات، فجميعهم يعانون من إعاقات يحتاجون إلى رعاية عاجلة، حيث يقول والد رهف لـ “منصة ريف اليمن”أن ابنته البالغة من العمر تسع سنوات منذ أن ولدت وهي غير قادرة على المشي، وأنه واجه مشقة كبيرة من خلال إسعافها وتوفير العلاجات لها ولم تبدأ بالمشي إلا بعد تجاوزها السادسة، وما تزال غير قادرة على المشي بشكل طبيعي، وتعاني من ضيق مستمر في التنفس.

ويشير إلى أن حالات الإعاقة كثيرة في منطقته (عزلة الشراجة)، ومع ذلك لا تتلقى أي رعاية أو اهتمام من الجهات المعنية بحقوق الطفل وذوي الإعاقة، مؤكدًا أن وجود طفل من ذوي الإعاقة داخل الأسرة يضاعف الأعباء ويضع الأسرة في دائرة معاناة لا حصر لها إذ تبذل كل ما بوسعها من أجل رعاية أطفالهم على أمل أن ينالوا الشفاء.

أعباء مضاعفة

في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها البلاد، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي الذي أثر على آلاف الأسر اليمنية، كانت الأسر التي تضم أشخاصًا من ذوي الإعاقة الأكثر تحملًا للأعباء؛ إذ يواجه أبناؤها حرمانا متزايدا من الرعاية الطبية والخدمات اللازمة، الأمر الذي ضاعف من معاناتهم ويزيد من صعوبة تأمين احتياجاتهم الأساسية.

في السياق تقول “إيمان القدسي” مدربة وأمين عام جمعية الطموح للصم بتعز، لـ “منصة ريف اليمن” إن الأشخاص من ذوي الإعاقة في المناطق الريفية يواجهون تحديات مضاعفة، مقارنة بغيرهم في المدن، أبرزها صعوبة الوصول إلى المراكز المتخصصة وغياب الرعاية والاهتمام بهم.

وتوضح القدسي أن الأسر الريفية تتحمل أعباء مالية وجسدية كبيرة عند نقل أطفالها إلى مراكز التأهيل، بخلاف أسر المدن التي تتوفر لها خيارات قريبة ودعم أفضل. كما تؤكد أن الريف يفتقر للمدارس والمراكز المتخصصة، خصوصًا لذوي الإعاقة الحركية والتوحد والصم والبكم.


عشرات الأطفال من ذوي الإعاقة بالريف يعيشون أوضاعا معيشية واقتصادية وإنسانية بالغة القسوة الأمر الذي تحول إلى عبء أكبر على كاهل أسرهم


وأضافت أن المناطق الريفية تفتقر للمدارس والمراكز المتخصصة التي تساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على التعليم والتدريب، خصوصًا ذوو الإعاقة حركيًا أو التوحد، أو الصم والبكم أيضا، على العكس من المدينة، التي تتوفر فيها هذه المدارس والمراكز وكوادر التدريب.

وتلفت إلى أن غالبية الأشخاص ذوي الإعاقة في الريف يفتقدون لمعرفة الأساسيات من البرامج التأهيلية مثل لغة الإشارة أو حتى كتابة أسمائهم رغم إكمالهم الثانوية لكنهم لم يستطيعوا من كتابتها، رغم طموح الكثير منهم في مواصلة تعليمهم الجامعي.

ضعف الإمكانيات

وتدعو القدسي إلى إنشاء مراكز تدريب وتأهيل مخصصة لذوي الإعاقة في المناطق الريفية، مع توفير كافة الرعاية والخدمات اللازمة، لهم مشددة على أهمية وضع خطة واضحة لمكتب التخطيط، بحيث تستهدف منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة في مجال الإعاقة.

وتوضح أن هذه الخطوة تهدف إلى دعم هذه الفئات والوصول إليها بشكل أفضل، إضافة إلى إنشاء فروع لصندوق الرعاية في المديريات، وتوفير وسائل مساعدة لذوي الإعاقة، وإسهام المدارس الحكومية في تسهيل التحاقهم بالتعليم.


يبلغ عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة في تعز أكثر من 15,200 شخصًا، وفقًا لمدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين بالمحافظة 


يقول “صبري المعمري”، مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين في تعز، لـ”منصة ريف اليمن” إن الأشخاص ذوي الإعاقة في المناطق الريفية يعيشون أوضاعًا صعبة، خصوصًا أن تلك المناطق لا تتلقى أي رعاية فعلية من قبل الصندوق أو منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية العاملة بهذا المجال.

ويبلغ عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة في تعز أكثر من 15,200 شخصًا، وفقًا للمعمري.

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية فإن ما لا يقل عن أربعة ملايين ونصف مليون يمني من ذوي الإعاقة لا يحصلون إلا على دعم شحيح، وبموجب هذه البيانات، فإن الخدمات المتخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة نادرة، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها.

وبحسب تقرير صدر أواخر عام 2024، فإن عدد المعاقين يقدر بنحو 4.5 مليون معاق، كما أن العوائق التي تحول دون إدماجهم في المجتمع كبيرة، وتفاقمت نتيجة لانهيار البنى التحتية، والصراع، والضغوط الاقتصادية، ونقص الخدمات، إلى جانب الوصمة والعزلة الاجتماعية التي تحاصر هذه الفئة من كل اتجاه.

شارك الموضوع عبر: