لم يتوقع مربو الماشية من الأسر المنتجة في الحديدة غربي اليمن أن تتحول أحلامهم في تحسين مستوى معيشتهم إلى كابوس من الخسائر المتتالية نتيجة التحديات التي يواجهونها، وآخرها تقليص السلطات للدعم المقدم للمزارعين.
ووصل بريد منصة “ريف اليمن” شكاوى من مربّي الماشية بشأن قرار السلطات بخفض جديد في أسعار الحليب الذي تشتريه المصانع من صغار المنتجين في الحديدة، بعد نحو عامين ونصف من إعلان إستراتيجية لتوطين صناعة الحليب وتشجيع المستثمرين وصغار المنتجين.
ماقصة منتجي الحليب في الحديدة؟
في يوليو/ تموز 2023 أعلنت السلطات دعم منتجي الحليب في تهامة بـ130 ريالًا لكل لتر، ما جذب المواطنين والمستثمرين لشراء الأبقار وبدء الإنتاج وبيع الحليب للمصانع، حيث بلغ سعر اللتر 450 ريالًا. لكن بدأت عملية التقليص التدريجي للدعم.
وحددت ثلاثة مصانع لشراء حليب الأبقار من المنتجين في الحديدة بسعر 320 ريالًا، بالإضافة إلى 130 ريالًا مخصصة للدعم تُستقطع من ضريبة المبيعات للمصانع. لكن خلال العام الماضي 2025 أُعلن تخفيض الدعم إلى 80 ريالًا للأسر المنتجة، إضافة إلى 25 ريالًا تدفع للجمعيات الزراعية.
وأثار غضب صغار المنتجين مؤخرًا فرض جباية جديدة تُقدَّر بـ20 ريالًا عن كل لتر، وبررت السلطات -وفق ما ذكر مزارعون- أنها لأجل إنشاء مراكز لتجميع الحليب، وهو ما اعتبره المربون كارثة، إذ سيبلغ سعر اللتر 355 ريالًا فقط.
ويقول “أبو ثابت اليماني”، أحد مربّي الماشية في تهامة، إن القرارات الخاطئة أرهقت المربين وأضعفت الثروة الحيوانية، وهي مصدر رزق لآلاف الأسر، واستمرارها يعني فتح باب الفقر والبطالة.
خسائر في منتصف الطريق
“ماهر الوصابي” -أحد المستثمرين في إنتاج الحليب- قال: استثمرنا بمئات الملايين وبنينا مزارع حديثة، واشترينا أبقارًا بأسعار مرتفعة، وكان هناك دعم واضح يشجع على الإنتاج حيث حُدد سعر اللتر بـ450 ريالًا.
وفي رسالة وصلت “ريف اليمن”، أشار الوصابي إلى أن الإنتاج المحلي ارتفع من 16 ألف لتر يوميًا إلى 120 ألف لتر خلال سنة واحدة فقط، وهذا دليل على أن المربي إذا أُعطي الثقة والدعم يصنع المعجزة.
وأضاف: “تم خفض السعر 50 ريالًا وسكتنا وتحملنا، وفي المقابل ارتفعت أسعار النخالة (أعلاف تكميلية للماشية) من 2500 إلى 5000 ريال، وخسرت خلال سنة واحدة 21 مليون ريال”.
واليوم يتكرر الخفض مرة أخرى بـ20 ريالًا جديدًا، واعتبرها الوصابي “طعنة جديدة للمربين ستؤدي إلى انهيار الثقة في الاستثمار الزراعي، توقف شراء الأبقار، عودة الاعتماد على الاستيراد، وزيادة البطالة والفقر”.
سيكون سعر اللتر الحليب 335 ريال فرض الجبايات وخفض الدعم على المنتجين في الحديدة بعد أن كان قيمته 450 ريال
وقال الوصابي: “الثروة الحيوانية ليست مشروعًا تجاريًا فقط، بل أمن غذائي وطني”، لافتًا إلى أنه “إذا استمر الضغط على المربين فلن يبقى إنتاج محلي”، وناشد السلطات بالقول: “أعيدوا الثقة لمربي الماشية، ثبّتوا السعر، أوقفوا تصدير النخالة، وادعموا الإنتاج الوطني”.
من جانبه قال “عبد اللطيف المقبولي”، وهو أحد المستثمرين العائدين من الغربة بعد خمسة عشر عامًا، إنه وضع كل ما جمعه من غربته في مشروع الأبقار، لكن القرارات الأخيرة أعادته إلى “نقطة الصفر”، حيث لم يعد هناك أي مردود اقتصادي، ما جعله يشعر أن جهوده مهددة بالضياع.
واعتبر أن إفشال المشاريع في منتصف الطريق أمر “مؤسف”، ودعا للنظر بجدية في مشاكل المربين والمستثمرين وحلها، فالثقة -وفق المقبولي- هي أساس التوسع والإنتاج، ووجود المستثمرين والأيدي العاملة نعمة يجب الحفاظ عليها لضمان البناء والتنمية.
في المقابل تشير مصادر في السلطات بمحافظة الحديدة إلى أن الدعم المقدم لمنتجي الحليب بحسب الإستراتيجية موجَّه لصغار المنتجين وليس للمستثمرين، ويرون أن المستثمرين هم من تسببوا بتخفيض الدعم لأنهم كانوا المستفيد الأكبر على حساب صغار المنتجين من مربّي الماشية.

قفزة إنتاجية وانتكاسة
كشفت وثيقة رسمية عن قفزة هائلة في الإنتاج، بارتفاع إنتاج الحليب اليومي من 16 ألف لتر إلى 160 ألف لتر، وتوسع عدد المستفيدين من 1,220 إلى 6,400 مستفيد، وزيادة الأبقار المنتجة من 4,186 إلى نحو 20 ألف بقرة.
الوثيقة -التي اطلع عليها “ريف اليمن”- هي رسالة من الجمعيات الزراعية في تهامة، أظهرت تراجعًا ملحوظًا في معدلات النمو السنوي خلال العام 2025، بعد نحو عام ونصف من طفرة إنتاجية هائلة بفعل الدعم المقدم لصغار المنتجين.
وخلال العام 2025 تراجع معدل الإنتاج اليومي من مستوى قياسي بلغ 100 ألف لتر مقارنة بالعام السابق إلى زيادة بنحو 37 ألف لتر فقط. هذا الانخفاض الحاد اعتبرته الجمعيات مؤشرًا خطيرًا على انهيار الثقة بين المربين والسلطات بعد إعلان خفض الدعم.
ووفق بيانات المؤسسة العامة للخدمات الزراعية، بلغ إنتاج الحليب في يناير 2025 نحو 122 ألف لتر، وفي نوفمبر نهاية العام بلغ الإنتاج 159 ألف لتر. ورغم أن الزيادة بنسبة 37%، فإنها أقل بكثير مقارنة بطفرة الإنتاج التي حدثت خلال العام 2024.
هذا التراجع انعكس سلبًا على الأسر المنتجة والمستثمرين، فالكثير منهم أحجم عن شراء أبقار جديدة أو التوسع في الإنتاج، فيما اضطر بعض المربين إلى بيع إناث الأبقار للذبح، وفق رسالة شكوى للجمعيات الزراعية في تهامة بتاريخ نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.
وأفادت الجمعيات أن “المستثمرين تكبدوا خسائر كبيرة دفعت بعضهم للتفكير بمغادرة البلاد، وهو ما يهدد مستقبل الأمن الغذائي ويضع مشروع توطين الألبان أمام تحديات وجودية”.
الدعم وفاتورة الاستيراد
تستورد اليمن نحو 80% من احتياجاتها السلعية، وتعد من أكثر الدول اعتمادًا على الواردات، حيث جاءت في المرتبة 122 عالميًا من أصل 226 دولة خلال العام 2024، وفق بيانات موقع أوكويو «OEC» المتخصص بالتجارة الدولية.
وأعلنت السلطات في يوليو/ تموز 2023 بدء خطط توطين صناعة الألبان في الحديدة وحددت سنتين لنجاحها، بإستراتيجية تقوم على التنسيق بين شركات الألبان المصنعة والجمعيات التعاونية والاتحادات ذات الصلة، لتشجيع الاستثمار في تربية الماشية وإنتاج الحليب وضمان سعر عادل لهم.
وتهدف الإستراتيجية إلى تقليص استيراد منتجات الألبان وصولًا إلى الاكتفاء الذاتي. وتبلغ فاتورة استيراد الألبان 333 مليون دولار سنويًا، حيث تحتاج اليمن أكثر من مليوني طن سنويًا لتلبية احتياجات السكان من الحليب.
لكن خلال العامين الماضيين لم تنجح خطط توطين إنتاج الحليب في تهامة سوى في تغطية 5% من الاحتياج المحلي رغم طفرة الإنتاج، وما زالت اليمن تستورد 95% من بودرة الألبان. ورغم ذلك -وفق الجمعيات الزراعية في الحديدة- يتم خفض الدعم على منتجي الحليب دون فرض أي قيود على الاستيراد لتشجيع المنتج المحلي.
وكانت السلطات وعدت بدعم الأسر المنتجة بالأعلاف المركزة، ووقف تصدير النخالة، ورفع الجمارك والضرائب على البودرة المستوردة، لكن الجمعيات الزراعية في تهامة قالت: “هذه الوعود لم تُنفذ؛ فلم يُصرف أي كيس مجاني من الأعلاف”.
وأنفقت اليمن خلال خمس سنوات على فاتورة استيراد الألبان (2019-2023) أكثر من 1,155 مليار دولار، وفق بيانات مصلحة الجمارك اليمنية. في المقابل بلغ إجمالي الدعم المقدم لمنتجي الحليب خلال سنتين ونصف 18.7 مليار ريال يمني (ما يعادل 3.5 مليون دولار) وفق تقديرات الجمعيات الزراعية في تهامة، وهذا يمثل 21% من فاتورة استيراد عام 2023 فقط، والتي بلغت نحو 67.8 مليار ريال يمني.
وتؤكد الجمعيات الزراعية ضرورة إعادة صرف مبلغ الدعم كاملًا لمنتجي الحليب في تهامة، وتدعو إلى اعتماد خطة لخمس سنوات تبدأ من العام الجاري 2026، بما يضمن استمرارية الدعم وتنفيذ الوعود بدعم المزارعين بالأعلاف وفرض قيود على الاستيراد.
وترى الجمعيات أن هذه الخطوات هي السبيل الوحيد لاستعادة الثقة بين المربين والسلطات وضمان مستقبل صناعة الألبان في اليمن، مشيرة إلى أن “إستراتيجية توطين صناعة الألبان يجب ألا تعود إلى الوراء”.

