الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

إرث الزراعة اليمنية في “علان” يختفي أمام توسع القات

يُعد موسم “العلان” الزراعي نموذجاً تقليدياً في ريف اليمن، حيث ارتبط هذا الموسم منذ مئات السنين ببداية نضوج المحاصيل الزراعية المتنوعة التي تتطلب جهوداً مضاعفة من المزارعين من بداية الموسم حتى ينتهي الحصاد لمحاصيل الذرة والشام والدجر بأنواعها.

يمتاز هذا الموسم ببساطته وروحه التعاونية التي يتسم بها الناس، وترافقه الأهازيج النسائية التي تطرب آذان السامعين في حين يعمل الرجال والنساء جنباً إلى جنب في مشهد يعكس عمق الارتباط بين الأرض والإنسان.

خلال العقود الخمسة الأخيرة شكّل انتشار زراعة شجرة القات تحولًا جذريًا في المشهد الزراعي؛ إذ كادت هذه الشجرة أن تطمس هوية موسم “العلان” التقليدي بعد أن سيطرت على معظم الأراضي الزراعية في محافظة الضالع، وخاصة في مديريتي دمت وقعطبة.


مواضيع مقترحة

رغم هذا التغير، ما تزال بعض القرى الجبلية صامدة، محافظةً على إرثها الزراعي، مستفيدةً من عواملها الجغرافية والمناخية، لتظل محاصيل مثل الذرة والشام والدجر جزءاً من هويتها الزراعية، على عكس القرى التي اجتاحها القات وما رافقه من تغيرات اجتماعية واقتصادية وغيرها.

روح موسم العلان

يقول “أحمد الشامي (40 عامًا)”، مزارع من قرية جبل الشامي، واصفًا أجواء الموسم: “بدأ الناس العمل كما في كل مرة؛ قص الحشيش من حواف المدرجات وربطه بحزم متفرقة ليجف تحت الشمس، ثم يُخزَّن لتغذية الأبقار والأغنام بقية العام. والحال ذاته مع علف الذرة والوجيم (الزرع غير المثمر)، وقد كانت غلة هذا العام أفضل من السنوات السابقة بفضل هطول الأمطار في أوقاتها”.

ويضيف الشامي لـ”منصة ريف اليمن”: “قريتنا مع قرى حيد كنة، المعصر، وعدنة الشامي، هي الوحيدة التي لا تزال تحافظ على زراعة المحاصيل الزراعية وأجواء العلان المميزة. ومن منتجات الموسم نرسل هدايا من الدجر والعسل والشام والذرة إلى أقاربنا الذين هاجروا أو يعيشون في القرى التي طغى عليها القات”.

أراضٍ زراعية تأثرت بالجفاف في الموسم الزراعي ولم يحصد المزارعون منها شيئاً (ريف اليمن)

يؤكد أن موسم العلان في قريتهم يجسد روح التعاون والتكافل داخل الأسرة والمجتمع، مشيرًا إلى أن أصوات النساء وهن يرددن الأهازيج من وسط الحقول تضفي على المكان جمالًا فريدًا يعكس تراثًا زراعيًا أصيلًا، ويعزز انتماء الإنسان لأرضه رغم المشقة.

في المقابل، اندثرت المحاصيل الزراعية وغابت هوية “العلان” في معظم القرى التابعة لمديريتي قعطبة ودمت، خصوصًا في مناطق مريس وحجر، حيث بدأت زراعة القات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ ما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة بالمحاصيل التقليدية؛ حتى أصبحت شجرة القات تهيمن على الوديان التي كانت يومًا تكتسي بالذرة والشام والبن والجزر الأبيض (البطاطا الحلوة).

علوي سلمان أحد سكان منطقة حجر يقول لـ”منصة ريف اليمن”: “شهدت منطقتنا توسعًا كبيرًا في زراعة القات تدريجيًا حتى اجتث المحاصيل التي كانت تميز الوديان بجمالها، في الثمانينيات كان وادي الغيل ووادي المقار من أشهر الأودية في زراعة الذرة والشام والدخن، إضافة إلى زراعة البن والجزر الأبيض وغيرها، أما اليوم فهما مغطّيان بالكامل بشجرة القات”.

زحف القات

هذا التحول الزراعي ناتج عن العائد المالي السريع الذي توفره زراعة القات والإنتاج المستمر على مدار العام، مقارنة بالمحاصيل الموسمية التي تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، كما أن الأراضي المزروعة بالقات كانت في بدايتها تحقق أرباحًا مضاعفة مقارنة بالمحاصيل الأخرى؛ مما شجع المزارعين على استئصال المحاصيل التقليدية والتحول نحو القات الذي مكنهم من شراء احتياجاتهم الغذائية بسهولة.

ويتابع سلمان: “المجتمع الريفي قبل نهضة القات كان متماسكًا ومتعاونًا، يتشارك في الأفراح والأتراح والعمل الجماعي، ناهيك عن تشاركهم في العمل وغيره، لكن مع ازدهار زراعة القات وتدفق الأموال، تغيرت الحياة، وظهرت خلافات بسبب التنافس والطمع”.

ويلفت إلى أن هذا التحول أدى إلى طفرة اقتصادية دفعت الناس إلى بناء المنازل وشراء السيارات، وهذا بدوره قلل من الروابط الاجتماعية والتعاون، وبرزت خلافات جديدة بين الناس نتيجة للتنافس والطمع على توسيع زراعة شجرة القات وجني المزيد من المال؛ مما أثر سلبًا على تكافل المجتمع وروابطه.


في القرى التي اجتاحها القات وانقرضت منها المحاصيل الزراعية، يشعر السكان بالحنين إلى رؤية الوديان وهي مكتسية بالمحاصيل الزراعية وحياة وبساطة موسم العلان الزراعي ونكهته الفريدة التي تجسد إرثاً زراعياً قديماً عاش عليه الأجداد، وخلفوا وراءهم من الأقوال والحكم الكثيرة المرتبطة بهذا الموسم.

يعبر الخبير الزراعي “يحيى الفقيه” عن أسفه العميق من التحولات الزراعية في محافظة الضالع، مؤكدا أنها “تهدد بزوال الهوية الزراعية، وتزيد من خطر الجفاف بسبب الاستهلاك المفرط للمياه، إذ نسي الناس تفاصيل المواسم الزراعية ومعالمها التي كان الأجداد يحفظونها عن ظهر قلب.

ويضيف الفقيه لـ “منصة ريف اليمن”: “هذه التحولات الزراعية أدت إلى نسيان ما يتعلق بالهوية الزراعية، وما كان الأجداد يحافظون عليه بعناية حيث كانوا يتمتعون بمعرفة دقيقة بالمعالم الزراعية ومسمياتها وأنواع الحبوب بأشكالها وأنواعها، ومواعيد الزراعة والحصاد، وغيرها”.

ويتابع: “الجيل الحالي أصبح يجهل تماماً مبادئ الزراعة التقليدية، واتجه إلى الاهتمام بزراعة القات ومضغه وبيعه، باستثناء بعض كبار السن الذين عاشوا قبل انتشار زراعة القات، وأهالي القرى الجبلية التي لا تزال تحافظ على زراعة المحاصيل التقليدية”.

انتشار الآفات

تعد القرى الريفية ملاذًا طبيعيا ومتنفسا للزوار؛ لما تتمتع به من جمال أصيل مرتبط بزراعة المحاصيل التقليدية التي تبرز طابعها الأصيل، الإعلامي “صلاح الحقب” يصف زيارته لقرية “حيد كنة”، بأنها “فسحة استكنان ونقاهة للروح”، مشيرًا إلى أن سحر الطبيعة هناك تجرد الإنسان من شوائب الحياة وضغوطاتها.

ويضيف الحقب لـ”منصة ريف اليمن”: “القرية التي تقع على قمم مرتفعة وتضم أراضٍ خصبة تعرضت خلال العقد الأخير لشح في المياه؛ ما دفع الأهالي للهجرة، لكن موسم الأمطار الغزير هذا العام أعاد الحياة إليها، وتفجرت ينابيعها من جديد، ما دفع الأهالي إلى استعادة نشاطهم الزراعي لتصبح القرية وجهة طبيعية ساحرة”.

يحذر المهندس “خليل الصيادي” من أن الحيازات الزراعية الصغيرة وزحف القات يشكلان خطرا كبيرًا على الزراعة في الضالع، مؤكدًا أن 70% من أراضي المحافظة اكتسحها القات، بينما لا تتجاوز مساحة المحاصيل المتنوعة 30%، مع الإشارة إلى أن بعض القرى التي غلب عليها زراعة القات ما زالت تزرع الشام قليلا، والقمح والطماطم وغيرها من المحاصيل.

ويقول الصيادي إن “انتشار القات لم يدمر المحاصيل فقط، بل ساهم في انتشار الآفات والأمراض الفطرية نتيجة الاستخدام المفرط للمبيدات والأسمدة الكيميائية؛ مما أدى إلى تلوث التربة وفقدان التوازن البيئي”، لافتا إلى أن تراجع المحاصيل المتنوعة أثر سلباً على الأمن الغذائي في المنطقة، ورفع معدلات البطالة بين الشباب والنساء، وقطع الصلة بين الإنسان وأرضه.

ويشير إلى أن القرى الجبلية لا تزال تنتج العسل والسمن البلدي بجودة عالية بفضل تغذية المواشي على الأعلاف الطبيعية، وخاصة عسل موسم العلان، في حين فقدت منتجات القرى التي تهيمن عليها زراعة القات نكهتها الأصلية بسبب تلوث المياه والتربة.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) والبنك الدولي، يُصنَّف اليمن من بين الدول الأكثر عرضة لنقص موارد المياه، ويأتي في ذيل قائمة الدول من حيث توافر الموارد المائية، وتشكل زراعة القات ضغطاً كبيراً على موارد المياه؛ حيث تستحوذ على حوالي 40% من إجمالي استهلاك المياه في البلاد، وتتطلب هذه الزراعة كميات ضخمة من المياه بشكل دائم؛ مما يسرع استنزاف المياه الجوفية خاصة في المناطق المرتفعة.

هوية مهددة

خلال السنوات الأخيرة ارتفعت كلفة إنتاج القات بشكل كبير بسبب الزيادة في أسعار المبيدات والأسمدة، بالإضافة إلى تأثير الحرب التي قسمت المحافظة إلى نصفين، وانقطاع الطرق، هذا الوضع أدى الى انخفاض كبير في العائد المالي للقات؛ حيث أصبحت الأسواق تعاني من الكساد في معظم الأيام، ولم يعد القات مربحاً كما كان في السابق.

ويؤكد “علوي سلمان” أن إنتاج القات شهد انخفاضاً ملحوظاً، مشيراً إلى أن مزارعي القات يواجهون اليوم أعباء مالية كبيرة تشمل تكاليف شراء المبيدات والأسمدة، ومحروقات تشغيل مضخات المياه، كل هذا يأتي في ظل ضعف العائد المالي من زراعة القات، وهو ما زاد سوءاً بسبب تداعيات الحرب.

يحذر الصيادي من أن القرى التي ما تزال متمسكة بزراعتها الأصيلة تواجه خطرًا داهمًا، إذ إن توفر المياه الكافية فيها قد يشجع على انتشار القات من جديد؛ مما يعني اندثار ما تبقى من هوية الزراعة التقليدية في المحافظة.

وأكد الصيادي في ختام حديثه أن مستقبل الزراعة في اليمن بات مهددًا ما لم تُعتمد استراتيجيات حكومية واضحة تعيد بناء العلاقة بين الإنسان وأرضه، وشدد على ضرورة تبني خطط تعزز الأمن الغذائي وتحافظ على الموارد الطبيعية، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تدهور متواصل في الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية.

ويشدد على أهمية إصلاح البنية التحتية المائية، وصيانة السدود وقنوات الري، وتقديم قروض ميسّرة وبرامج تدريبية للمزارعين حول أساليب الري الحديثة، وترشيد استخدام المياه، إلى جانب تشجيع الزراعة البديلة للقات بمحاصيل أقل استهلاكًا للمياه وأكثر فائدة للاقتصاد الوطني؛ بهدف تخفيف الضغط على الموارد المائية وتعزيز الأمن الغذائي.

شارك الموضوع عبر: