الأربعاء, فبراير 25, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

أرياف إب تحت رحمة أزمة نفايات لا تنتهي

يرى البعض أنّ القلق بشأن إدارة النفايات في اليمن «ترفٌ لا محلّ له». ولكنّه ليس لسان حال سكان الأرياف، وبخاصة في مديرية السياني بجنوب محافظة إب. فسرعان ما سيلاحظ الزائر تكدُّس النفايات والمخلفات، حتى في الأودية والمجاري المائية، بل وبالقرب من المناطق المأهولة.

لا شيء هناك يحمي البيئة، ويصون مصادر أرزاق مجتمع يشتغل أغلبه بالزراعة، إذ ترتفع تلال من النفايات التي غالباً ما يأتيها من يبحثون عن المواد البلاستيكية، ويُفتِّشون عن حديد، وبطاريات، وقطع غيار، بل وحتى عن الكرتون والورق. أما ما يبقى، فيُنسى ويتكدَّس، أو يُحرَق.

بلغةٍ علميةٍ، تنبعث من تلك النفايات والمخلفات، وبعضها طبيّ، غازات دفيئة تسود الغلاف الجوي. كذلك تتسرّب العصارات الناتجة عنها عبر طبقات الأرض لتصل إلى المياه الجوفية. ولكن، في الوقت نفسه، لا حلول إلا بما تيسَّر.


مواضيع مقترحة

وعلى حال أرياف اليمن كافة، يتحمَّل ريف مديرية السياني تراكمات أزمة تجد جذورها في المرحلة السابقة لاندلاع الحرب سنة 2015. فمذّاك تشكِّل إدارة النفايات تحديًا كبيرًا على المستوى الوطني، وفق ما تؤكده دراسة لـ «مبادرة الإصلاح العربي»، بعنوان «الأزمة البيئية في اليمن: التداعيات المنسية لصراع دائم». فلا يتجاوز عدد مكبات النفايات الرسمية واحدًا وعشرين مكبًا، ستة منها فقط تخضع للإشراف، بينما المكبات المتبقية مفتوحة.

ويقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن حوالي 65٪ من النفايات في اليمن عضوية، والباقي يتكوّن من 10٪ من البلاستيك، و7٪ من الورق، و6٪ من المعادن، و1٪ من الزجاج، و11٪ من أنواع أخرى.

«البلاستيك».. المشكلة الأبرز

في قرية من ريف مديرية السياني، تفصل أمتار قليلة بين مزرعة الستّيني، عبده محمد، وبين النفايات المكدَّسة. تقع مزرعته في أسفل وادٍ، بالقرب من مجرى سيل. تجرف مياه الأمطار المتدفقة من الجبال المخلفات البلاستيكية والنفايات إلى داخلها. وهذا ما يجبره على بذل جهود مضاعفة طوال فصل الصيف لحماية أرضه.

يسارع إلى القول إنهم ينتظرون ناقلات القمامة بفارغ الصبر، علّها تخفّف عنهم وعن مزارعهم الأضرار البيئية والزراعية. لا يُشكِّك بالتداعيات الصحية، ولكنّ «الكارثة الحقيقية»، وفقاً له، أنّ الأزمة تتهدَّد مصدر الدخل شبه الوحيد لسكانٍ مزارعين.

أرياف إب تحت رحمة أزمة نفايات لا تنتهي
يشكو عبده محمد تدهورَ محاصيله الزراعية، إذ تميل الثمار إلى اللون الأصفر «بشكل غير طبيعي (ريف اليمن)

ووسط ذلك، يشكو عبده محمد تدهورَ محاصيله الزراعية، إذ تميل الثمار إلى اللون الأصفر «بشكل غير طبيعي». ويوضح أنّ الجهود المبذولة في المزرعة، واستخدام الأسمدة العضوية، «لم تُثمر نتيجة واضحة». فالانتاج يتراجع عامًا بعد آخر «بسبب النفايات»، رغم محاولاته كافة لتحسين التربة والعناية بالمحاصيل.

على هذا الصعيد، يُبرِز محللون يمنيون الأثرَ الضار لجزيئات البلاستيك الدقيقة بوجهٍ خاص. وهذا ما تؤكده دراسة حديثة لدورية الأكاديمية الوطنية للعلوم الأميركية، موضحة أنّ حجم هذه الجزيئات «يقلّ عن خمسة مليمترات، أي ما يعادل تقريبًا حجم ممحاة قلم الرصاص».

ووفقًا للدراسة، قدَّر الباحثون مسؤولية هذه الجزيئات «عن خفض معدّل التمثيل الضوئي (photosynthesis) في النباتات والطحالب بنسبة تتراوح بين 7 و12 في المئة عالميًا». وأشار الباحثون إلى أنّ هذا التراجع في عملية التمثيل الضوئي «قد يؤثّر أيضًا في المحاصيل الزراعية الكبرى التي يعتمد عليها الإنسان، مثل القمح والذرة والأرز».


خلال الفترة الماضية نشرت “منصة ريف اليمن” سلسلة تقارير ميدانية حول مشكلة تراكم النفايات والمخلفات البلاستيكية في أرياف اليمن، بخاصةٍ في ريف إب


كذلك تفيد مصادر بحثية أخرى بأنّ «ما بين 4% و14% من إنتاج العالم من المحاصيل الأساسية، مثل القمح والأرز والذرة، يُفقد سنويًا بسبب الجزيئات البلاستيكية الدقيقة». وبدورها، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، التتسبُّب في تدهور البيئة وتلوث التربة على المدى الطويل، بما يمثِّل تحديًا متزايدًا أمام تحقيق الزراعة المستدامة.

مبادرة.. منعاً للحرق والجرف

لا تقتصر آثار النفايات على تراجع المحاصيل الزراعية فحسب، بل تمتدّ لتشكّل خطرًا مباشرًا على البيئة والمياه وصحة الإنسان.

يوضح الخبير البيئي، حاجب الحاجبي، أنّ تكدّسها «يترك آثارًا سلبية مباشرة على سكان الأرياف اليمنية»، خاصة في ظل خطورة تفشّي الأوبئة. فانتشار الذباب والبعوض والقوارض، يؤدي إلى نقل أمراض خطيرة «مثل الكوليرا والتيفوئيد والإسهالات والملاريا .

أرياف إب تحت رحمة أزمة نفايات لا تنتهي
تشهد أرياف محافظة إب مبادرات لجمع النفايات ونقلها (ريف اليمن)

يضيف الحاجبي أن تراكم النفايات العضوية، خصوصًا بالقرب من مصادر المياه كآبار وعيون وسواقي القرى، «يُلوِّث المياه الجوفية بالبكتيريا القولونية والمواد الكيميائية». كذلك يتابع أن «الحرق في الهواء الطلق — وهو سلوك شائع في الأرياف — يطلق أكاسيد الكربون والديوكسينات والفورانات، وهي مركبات سامة تسبب أمراض الجهاز التنفسي والسرطان على المدى الطويل».

في المقابل، تشهد أرياف محافظة إب مبادرات لجمع النفايات ونقلها. وهي تتنوّع بين حملات تنظمها المدارس وأخرى يقودها شبّان من الأحياء السكنية. غير أنّ المبادرة الأبرز والأكثر استمرارية تبقى تلك التي تُنفَّذ بالتنسيق المشترك مع السلطات المحلية، إذ تتكفّل الأخيرة بتوفير ناقلات لجمع النفايات، بما في ذلك المخلّفات البلاستيكية، ونقلها من داخل القرى إلى المكبّات المخصّصة في المحافظة.

ويجري التنسيق مع سكّان القرى لتجميع النفايات في نقاط محدَّدة مسبقًا، قبل أن تصل الناقلات وعمال النظافة مرتين أسبوعيًا لجمعها ونقلها. ويسهم الأهالي في تمويل جزء من هذه الخدمة بدفع نحو 500 ريال يمني كل شهرين، وهو مبلغ يُعدّ رمزيًا قياسًا بنوعية الخدمة التي تقدّمها فرق النظافة.

يوضح المواطن حمدي صادق، أحد سكان قرى مديرية السياني، أن عملية الجمع والنقل «خطوة محورية نحو تعزيز السلامة العامة وحماية البيئة وصحة الإنسان». يلفت إلى أن بعض الأهالي كانوا يضطرون في السابق إلى استخدام سياراتهم الخاصة لنقل النفايات إلى المكبّات. وفي حين لم تكن الغالبية قادرةً على ذلك، كانت نسب عمليات الحرق قرب المنازل ترتفع، فيما ينتظر آخرون مياه الأمطار لكي تجرف معها ما تكدّس.

تعبٌ.. حتى من شجار الجارات

يؤكد عضو المجلس المحلي في مديرية السياني عبدالغني الوجيه أن آلية نقل النفايات «ستُطبَّق في القرى ذات الكثافة السكانية الكبيرة بمختلف مديريات محافظة إب».

لكن رغم أهمّية هكذا مبادرات، فإنها تواجه صعوبات عدّة، أبرزها محدودية التمويل وقلّة عدد الناقلات المتوفّرة لتغطية جميع المناطق الريفية، فضلًا عن ضعف الوعي البيئي لدى السكان، ما يعيق تطوير منظومة نظافة مستدامة في المحافظة.

أرياف إب تحت رحمة أزمة نفايات لا تنتهي
لا تقتصر آثار النفايات على تراجع المحاصيل الزراعية فحسب، بل تمتدّ لتشكّل خطرًا مباشرًا على البيئة والمياه وصحة الإنسان (ريف اليمن)

من جهته، يُشدِّد الخبير البيئي حاجب الحاجبي على مدى حيوية «إدماج المجتمعات المحلية في القرار البيئي عبر مبادرات مثل “القرية النظيفة” أو “القرية الخضراء”». كما يلفت إلى أهمية تفعيل برامج التوعية البيئية المدرسية، وتشجيع الاستثمار المحلي في عمليات إعادة التدوير.

ويعتبر الحاجبي أنّ الحل الفعّال «يبدأ من التخطيط المجتمعي المحلي وتعاون الهيئات البيئية والمنظمات الدولية في دعم حلول مستدامة منخفضة التكلفة». ويؤكد أنّ ثمة ضرورة للنظر إلى إدارة النفايات الريفية في اليمن بوصفها «قضية صحة عامة وأمن بيئي».

ولكن حتى ذلك الوقت، سيتفاقم الضرر في قرى مديرية السياني. أيضاً سيشتدّ الضيق على صعيد اليوميات. فتصف أماني محمد (40 عامًا)، وهي أم لسبعة أطفال، الأزمة بأنها «تحدٍّ يومي وعبء مضاعف» عليها وعلى نساء قريتها. تخصّ في حديثها الأمهات لمواليد لم يتخطوا بضعة أشهر. وتشدِّد على التعب، حتى من المشادات والخلافات بين الجارات «حين تجد الواحدة منهن نفايات رُمِيت قرب منزلها».


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

شارك الموضوع عبر: