الثلاثاء, فبراير 17, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

نعمان الحذيفي: قضايا المهمشين صوت غير مسموع

“كلما وجدنا بوادر لتحسين أوضاعنا، تعيدنا الأزمات والحروب إلى نقطة الصفر”، بهذه العبارة يلخص رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين في اليمن، نعمان قائد الحذيفي، واقع فئة تعيش على هامش الحياة منذ عقود، وتدفع ثمن الحروب، والتمييز، وغياب اهتمام الدولة والمجتمع.

يرسم الحذيفي صورة قاتمة لواقع المهمشين، حيث تتقاطع دوائر الفقر والحرمان والوصمة الاجتماعية، لتشكل جدارا سميكا يفصل هذه الفئة عن أبسط الحقوق، لافتا إلى أن الحرب لم تترك مجالا للتحسن؛ بل جعلت أوضاع المهمشين أسوأ مما كانت عليه قبلها.

ويؤكد رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين في مقابلة مع “ريف اليمن”، أن المهمشين يعيشون في عزلة قسرية، داخل تجمعات سكنية تفتقر لأدنى مقومات الحياة فلا مياه شرب، ولا صرف صحي، ولا بيئة نظيفة، كما أن أطفالهم محرمون من التعليم بسبب الفقر والتمييز والنزوح.

أما في سوق العمل، فيصف الحذيفي واقع المهمشين بأنه شكل من العمالة القسرية الحديثة، إذ يعمل معظمهم في مهن شاقة ومحتقرة اجتماعيا مثل النظافة وجمع البلاستيك وخدمة الأعراس، بأجور زهيدة لا تتناسب مع الجهد المبذول.

نعمان الحذيفي: المهمشين وقضايهم صوت غير مسموع

إلى نص الحوار

• بداية نود أن نتعرف عليك أكثر.. من هو نعمان الحذيفي؟

أنا نعمان قائد محمد، من مواليد 1972 في بلاد الحذيفي، عزلة شرقي عردن، مديرية العدين، محافظة إب. حاصل على دبلوم في الهندسة المعمارية، لم أتمكن من إكماله بسبب ظروف عائلية صعبة وعدم الاستقرار. أعمل حاليًا موظفًا في مكتب الأشغال العامة والطرق بمحافظة تعز، وقد كنت عضوًا في المجلس المحلي سابقًا بتعز. أما اليوم، فأنا رئيس الاتحاد الوطني للمهمشين ورئيس المجلس الوطني للأقليات في اليمن، وكذلك رئيس الشبكة الإقليمية لتنمية ومناهضة العنصرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

• كيف تصف واقع المهمشين في اليمن؟

واقع المهمشين في اليمن صعب للغاية، فكلما ظهرت بوادر لتحسين أوضاعهم، تعيدهم الأزمات والحرب إلى نقطة الصفر. اليوم، يمكن القول إن وضعهم أسوأ مما كانوا عليه قبل اندلاع الحرب، مع استمرار التهميش الاجتماعي والاقتصادي في حياتهم اليومية.

• ما أبرز التحديات اليومية التي تواجه هذه الفئة في حياتهم الاجتماعية والمعيشية؟

تواجه فئة المهمشين في اليمن تحديات يومية متعددة، أبرزها وصمة التمييز الاجتماعي التي تعيق اندماجهم في المجتمع وتؤثر سلبًا على حياتهم المعيشية. كما يفتقرون إلى وسائل الإنتاج، ويعانون نقصًا في المهارات الحرفية والمهنية، إلى جانب انتشار الأمية والبطالة؛ ما يجعلهم محرومين من أبسط مقومات العيش الكريم.

• حدثنا عن القضايا التي تمس حياة المهمشين؟

تواجه فئة المهمشين في اليمن مجموعة من القضايا المتشابكة، أبرزها الفقر، البطالة، الأمية، ضعف الخدمات الصحية، التمييز الاجتماعي، ونقص المهارات المهنية، كل هذه القضايا مترابطة وتشكل عبئًا متراكبًا على حياتهم اليومية، ولا يمكن الحديث عن وضع المرأة المهمشة بمعزل عن الرجل أو عن الفئة ككل، إذ تعاني المرأة ظلمًا مركبًا كونها مهمشة ما يزيد من تعقيد تحدياتها.

• ماذا عن التعليم؟

قبل الحرب، شهد تعليم أبناء المهمشين طفرة ملحوظة، حيث التحق الكثير منهم بالمدارس العامة على مختلف مستوياتها، واستفادوا من مقاعد دراسية مجانية في جامعات تعز وصنعاء وعدن وغيرها من الجامعات الحكومية.

خلال الحرب تراجع التعليم بشكل كبير نتيجة النزوح، إذ اضطر الكثيرون إلى الانتقال للريف أو لمناطق بعيدة عن المدارس الحكومية. كما أدى الفقر الشديد الذي تعاني منه غالبية الأسر إلى جعل البحث عن الأمان الغذائي أولوية قصوى، ما أثر سلبًا على فرص الأطفال في التعليم.

• ما حجم التسرب الدراسي بين أطفال المهمشين؟ وما أسبابه برأيك؟

التسرب المدرسي كبير جدًا مقارنة بأيام السلم، والسبب الرئيس هو الحرب والنزوح والفقر، بالإضافة إلى التمييز الذي يواجههم في المدارس.

• ما العقبات التي تواجه الأسر المهمشة لمواصلة تعليم أبنائها؟

العقبات كثيرة، منها الجهل بأهمية التعليم، الفقر، البطالة، ارتفاع تكاليف المستلزمات التعليمية، بالإضافة إلى الوصمة الاجتماعية والمعاملة القاسية من بعض العاملين والطلاب في المدارس.

• ماذا عن المهن أو الأعمال التي يمتهنها المهمشون ؟

يمتهن المهمشون في اليمن مهنًا تعتبر اجتماعيًا متدنية، مثل العمل كعمال نظافة، جمع المواد البلاستيكية، حياكة الأحذية، تنظيف السيارات، العمل في الحصاد الزراعي، والخدمة في الأعراس، إضافة إلى الرقص والغناء الشعبي. كما يسافر بعضهم للعمل في دول الجوار بطرق غير نظامية.

• هل هناك تمييز أو حرمان لهم في المؤسسات العامة أو الخاصة؟ 

على الرغم من أنه لا يوجد ما يمنعهم قانونيًا من العمل في المؤسسات العامة أو الخاصة، إلا أنهم يواجهون صعوبة في الالتحاق بالوظائف الإدارية أو الخدمة العامة والمشاركة في الشأن العام خارج نطاق أعمال النظافة. وغالبا يتم استغلالهم بسبب وضعهم الاقتصادي الصعب، فتجد معظمهم يعملون بأجور منخفضة جدًا لا تتناسب مع الجهد المبذول، ما يجعلهم في واقع أشبه بالعمالة المكرسة.

• يتساءل الكثيرون عن أسباب عيش الكثير من المهمشين في تجمعات معزولة؟

العزلة مرتبطة بالتراث الثقافي والتاريخي، فالمهمشون معتادون على العيش في مجموعات تصل إلى مستوى القرابة والنسب في مناطق مقفرة أو شبه معزولة عن بقية فئات المجتمع، سواء في الريف أو الحضر.

لا تقتصر العزلة على التجمعات العشوائية فحسب، بل يمتد العزل الاجتماعي إلى بعض المدن التي بنتها الدولة بدعم من البنك الدولي أو المنظمات الدولية، مثل مدينة سعوان والبعرارة وسوق الجملة في تعز، وكلها لا توجد فيها مياه صالحة للشرب، ولا صرف صحي، ولا بيئة نظيفة، وهو ما يجعل الحياة فيها صعبة جدًا.


الحذيفي: المهمشون يعيشون في عزلة قسرية داخل تجمعات سكنية تفتقر لأدنى مقومات الحياة وأطفالهم محرمون من التعليم


• هل هناك اعتراف رسمي بفئة المهمشين كمكون اجتماعي له حقوقه وخصوصيته؟

لا يوجد اعتراف رسمي بفئة المهمشين كمكوّن اجتماعي مستقل له حقوق وخصوصية الدولة تعترف بهم فقط كعمال نظافة، دون اعتبارهم مكوّنًا اجتماعيًا فاعلًا، نتيجة لذلك، لا يحظون بالاهتمام السياسي الكافي، ويُقصون من المشاركة في العديد من القضايا والمسائل السياسية، بما في ذلك التمثيل البرلماني والمشاركة في صياغة ملامح مستقبل اليمن في فترات الحرب والسلم.

• هل توجد مواد قانونية تحميهم من التمييز؟ 

على الورق، لا يميز الدستور والقوانين اليمنية بين مواطن وآخر، إلا أن الواقع اليومي يخالف ذلك بشكل واضح. فلا توجد مواد قانونية فعّالة تجرّم التمييز، رغم أن اليمن تواجه مظاهر تمييز واسعة في مختلف أشكالها، ما يجعل المهمشين عرضة للظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بشكل مستمر.

• ما مظاهر التمييز التي ما زالت تُمارس ضد المهمشين؟

يمكننا اختصر لك هذا السؤال بـ “كل أشكال التمييز”.

• كيف تنظر لأداء الحكومة والسلطات المحلية تجاه قضايا المهمشين؟

أداء الحكومة والسلطات المحلية تجاه قضايا المهمشين يراوح بين الإهمال والخجل أحيانًا، وأحيانًا يظهر اهتمام محدود لا يرتقي إلى مستوى الواجبات الحقيقية للدولة تجاه مواطنيها.

• ماذا عن النساء؟

تواجه نساء المهمشين نفس التحديات التي يواجهها الرجل المهمش، من حيث محدودية فرص التعليم والعمل وغياب الخدمات الأساسية إذا تمكّن الرجل من الحصول على حقوقه وتحسنت ظروفه، فإن المرأة أيضًا ستتمكن من تحسين وضعها في المجالات التعليمية والمهنية والاجتماعية.

• هل يوجد تمثيل حقيقي للمهمشين في الجهات الحكومية؟

كانت هناك بعض الخطوات نحو تمثيل المهمشين في المجالس المحلية، حيث كنت أنا وبعض زملائي نمثل الفئة في تعز وصنعاء وعدن ولحج، كما شاركنا في مؤتمر الحوار الوطني الشامل قبل الحرب. لكن بخلاف ذلك، لا يوجد تمثيل حقيقي للمهمشين في الوقت الحالي.

الوصول إلى مواقع صناعة القرار محصور في الأحزاب، وهذه الأحزاب غالبًا ما ترتكز على الانتماءات القبلية والفكر السياسي أو الديني أو الإيديولوجي. من وجهة نظرهم، إيصال المهمشين إلى مواقع عليا في الدولة مثل الحكومة، مجلس النواب، مجلس الشورى أو البعثات الدبلوماسية يعد قفزًا على الواقع وتجاوزًا للخطوط الحمراء التي يؤمن بها السياسيون الذين جاءوا بهم إلى السلطة عبر القبيلة.

• كيف تصف تعامل المجتمع اليمني العام مع المهمشين؟

أنت ابن المجتمع اليمني، وتعرف تمامًا كيف يتعامل المجتمع معنا. تعاملهم يعكس موروثات التمييز والعزلة الاجتماعية التي تعاني منها فئة المهمشين، فهم غالبًا يُنظر إلينا باختلاف أو بوصمة تمييزية.

• كيف يتعامل الإعلام مع قضايا المهمشين؟ هل ينصفهم أم يكتفي بنقل الصورة النمطية؟

الحقيقة أن الإعلام اليمني متفاوت في تعامله مع قضايا المهمشين. أشكر بعض الإعلاميين الذين حاولوا الغوص في صلب المشكلة الحقيقية، وهي التمييز بكل أشكاله. لكن للأسف، كثير من التغطيات تكتفي بنقل الصورة النمطية، وهذا يضر أكثر مما ينفع عملية اندماج المهمشين في المجتمع. يجب على الإعلام أن يساهم في محاربة التمييز وليس تعزيز الصور النمطية.


الحذيفي: يجب إصدار قانون يجرم التمييز، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لتحسين أوضاع المهمشين على جميع الأصعدة


• برأيك، ما أهم خطوة يجب أن تبدأ بها الدولة لتحسين أوضاع المهمشين؟

أهم خطوة يجب أن تبدأ بها الدولة هي الاعتراف رسميًا بوجود المعضلة العنصرية، والاعتذار عن الظلم التاريخي الذي تعرض له المهمشون والفئات الضعيفة الأخرى. كما يجب إصدار قانون يجرم التمييز، ووضع استراتيجية وطنية شاملة لتحسين أوضاع المهمشين على جميع الأصعدة: الاجتماعية، الثقافية، المدنية والسياسية، بما يضمن وصولهم إلى مواقع صناعة القرار.

• ما رسالتك للمجتمع اليمني حول قضية التهميش؟

رسالتي للمجتمع اليمني هي الالتزام بتعاليم الدين، إذ لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. التجارب المريرة التي يمر بها وطننا اليوم هي نتاج ثقافة عنصرية متجذرة في إرث تاريخي، كان يفترض أن نتخلص منه بعد قيام الإسلام.

•رسالتك لأبناء هذه الفئة؟

أما رسالتي لأبناء المهمشين، فهي أن يظلوا صامدين، مؤمنين بحقوقهم، ومواصلين النضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، فالمستقبل يحتاج إلى صوت كل مهمش ليكون فاعلًا ومؤثرًا في بناء وطنه.

شارك الموضوع عبر: