الأربعاء, فبراير 18, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

مياه الصرف الصحي في صنعاء: أزمة متراكمة وحلول قيد الانتظار

في قلب العاصمة صنعاء، تتوارى خلف جدران محطة معالجة مياه الصرف الصحي شمال المدينة، مأساة يومية تجمع بين الغاز السام، والرواسب الناتجة عن المياه الراكدة، والقصص الإنسانية المؤلمة التي ترويها أنفاس العمال وروائح التلوث المنبعثة من أزقة الأنابيب.

“محمد القرشي (48 عامًا)”، أحد هؤلاء الجنود المجهولين، قضى ربع قرن وسط الأبخرة والضجيج، يضع اليوم على أذنيه سماعة طبية ليسترد بعضًا من سمعه، بعدما خذلته منظومة صحية لا تؤمّن حتى الفحوصات الدورية للعاملين في مهنة تُصنّف ضمن المهن ذات الخطورة القصوى.

 بدأت قصة المحطة في ثمانينيات القرن الماضي كحلم بيئي وتنموي، وافتتحت رسمياً في أيار/مايو عام 2000، بهدف الحد من تلوث البيئة وإعادة استخدام المياه المعالجة في الري، وتدوير الحمأة كسماد عضوي، لكن الحلم اصطدم بواقع الانفجار السكاني، والضخ الصناعي العشوائي، ومياه أمطار تُصَب في الشبكات دون معالجة؛ ما جعل المحطة اليوم تعمل وسط ضعف في قدراتها دون تطوير يواكب هذا الضغط.


مواضيع مقترحة


من مشروع طموح إلى تحدٍّ بيئي

تؤكد مديرة المختبر في المحطة “سميرة الحكمي”، أن “كميات المياه الداخلة تجاوزت السعة التصميمية البالغة 50 ألف متر مكعب يوميًا، لتصل إلى نحو 100 ألف، مع حمل عضوي عالٍ يصل إلى 1500 ملغم/لتر”، ما أدى إلى انخفاض كفاءة المعالجة، وارتفاع نسبة التلوث، خصوصًا مع خلط مياه الصرف الصناعي والطبي دون ترخيص.

العمال في المحطة يواجهون بيئة تُشبه حقل ألغام حيث تتنفس رئاتهم يوميًا مزيجًا من كبريتيد الهيدروجين، والأمونيا، والكلور، وسط ضجيج آلات التجفيف وخطر الانزلاق والاحتكاك المباشر مع الملوثات البيولوجية.

وأمام بؤرة تجمع ملوثات المنازل والمستشفيات والمصانع والمسالخ، عانى القرشي من مشاكل في السمع بعد تعرضه لحادث كاد يفقد فيه أصابعه، لكنه لم ينجُ من السكري، وارتفاع الضغط، والتعرض المزمن للغازات دون حماية كافية.

يقول القرشي لـ”ريف اليمن”: “لم أكن أتخيل أن عملي سيكون بهذا القدر من الخطر، لكن لقمة العيش أقوى من الخوف. ما نطلبه ليس الكثير: تأمين صحي، أدوات سلامة، وبيئة عمل تحفظ حياتنا”. ورغم أن قانون العمل اليمني يُلزم صاحب العمل بتوفير التأمين والرعاية الصحية، فإن الواقع داخل المحطة يروي قصة غياب شبه كامل للسلامة المهنية.

 بيئة مشبعة بالمخاطر

يؤكد مدير المحطة “محمد العريقي”، أن العاملين يتعرضون لمخاطر بيولوجية وكيميائية وفيزيائية حادة. وتوفي “خمسة عمال خلال السنوات الماضية”.

ويقول بأسى: “قدمنا طلباً رسمياً  لتوفير التأمين الصحي، لكن للأسف، الجميع يتعاطف مع الضحية دون اتخاذ خطوات عملية، ما يؤدي إلى إحباط العاملين”، مشيرًا إلى أنهم ما زالوا يؤدون العمل بصمت إيمانًا منهم بالحفاظ على صحة المجتمع والبيئة.

ويوضح لـ”ريف اليمن” أنّ “العاملين يتعرضون يوميًا لغازات كبريتيد الهيدروجين، الذي يسبب الصداع والدوار، وقد يؤدي إلى فقدان الوعي أو الوفاة، بالإضافة إلى الأمونيا والكلور المسببين لتهيّج العينين والجهاز التنفسي”.

ولا يتوقف الخطر عند الغازات؛ فالعاملون معرضون للملوثات البيولوجية مثل البكتيريا والفيروسات المسببة لالتهاب الكبد الفيروسي والدوسنتاريا والتيفوئيد، إلى جانب الضجيج العالي الذي يسبب ضعف السمع، والانزلاق الناتج عن الأرضيات المبتلة. ويضيف: “لا تُجرى لهم فحوصات دورية رغم خطورة بيئة العمل”، مرجعاً الاسباب للحرب والحصار.


مدير المحطة: العاملون يتعرضون لمخاطر بيولوجية وكيميائية وفيزيائية حادة وتوفي خمسة عمال خلال السنوات الماضية


من جهته، يحذر نائب مدير محطة المعالجة “حسن الدعيس”، من أزمة تتفاقم بصمت، إذ إن تجاوز السعة التصميمية للمحطة، هيدروليكيًا وعضويًا، لم يعُد مجرد خلل تشغيلي، بل بات نقطة انهيار تقود إلى تدهور شامل في الأداء، وسط عجز المنظومة عن استيعاب كميات الصرف المتزايدة.

يقول الدعيس لـ”ريف اليمن”:يتفاقم المشهد بانسياب المخلفات الصناعية والطبية دون معالجة أولية، لا كمجرد ملوثات، بل كقنابل كيميائية بيولوجية تعيد برمجة النظام البيئي داخل المحطة”. هذا المزيج العشوائي لا يُربك دورة المعالجة فحسب، بل يعطّل قدرة البكتيريا الحيوية على أداء وظيفتها، ويُحوّل المحطة من خط دفاع بيئي إلى بؤرة تهديد متكاملة الأركان.

ومع انهيار التوازن البيولوجي، تتصاعد سحب غير مرئية من الغازات الخطرة والسامة في مزيج خانق يتسلل إلى رئات العاملين. ولم تعد المشكلة تقتصر على تلوث مياه والتربة أو تدني كفاءة معالجة، بل تحوّلت إلى أزمة وجودية للعاملين بالمحطة، حيث أن كل استنشاق يُحتمل أن يكون الأخير، وكل يوم عمل هو صراع ضد بيئة قاسية لا ترحم.

إلى ذلك، يشير مدير إدارة السلامة والصحة المهنية “موفق الزايدي”، إلى نقص أدوات الحماية، وصناديق الإسعاف، وغياب الدورات التدريبية، “حتى جهاز كشف الغازات بحاجة إلى معايرة، ما يقلل من فاعليته في الإنذار المبكر”.

تأثير يتجاوز الأسوار

تقول سميرة إن دراستها حول التلوث البيولوجي والكيميائي للمياه الجوفية شمال صنعاء، عام 2022، كشفت أن منطقة بني الحارث، المحاذية للمحطة، سجلت نسبًا مرتفعة من أمراض الإسهال (65.5%)، وأمراض الكلى (35.1%)، والأمراض الجلدية (9.7%). وأظهرت الدراسة أن تلوث المياه الجوفية تجاوز المحطة، ما يدل على تعرض العاملين داخلها لمخاطر أشد فتكا.

وبينما يحاول عمال مثل قاسم الجرادي زرع أشجار داخل المحطة لتلطيف الجو، إلا أنه سقط ضحية أخرى لمياه الصرف، بعدما استخدمها في ري خضار تناولها لاحقًا. تدهورت صحته خلال أسابيع، وشُخّص بتليف كبدي وتوفي، تاركًا خلفه عائلة وسؤالًا: من يحمي من تبقّى؟

المخاطر من منظور طبي

أخصائي أمراض الصدر “ماهر منير” قال لـ”ريف اليمن”، إن الغازات الصادرة عن محطات الصرف الصحي تسبب حساسية وضيق في الشعب الهوائية، وقد شهدت المحطة حالات اختناق استدعت تدخلًا بالأكسجين، وبعض الحالات قد تصل إلى الوفاة. ويؤكد على ضرورة وضع أدوات السلامة والالتزام بإجراءات الوقاية لحماية العاملين.

 ولا يتوقف الضرر على الإنسان، بل يمتد إلى التربة والزراعة. وتبين دراسة أجريت في كلية الزراعة بجامعة صنعاء عام 2018 بعنوان “النباتية للمعادن الثقيلة للتربة الملوثة بمياه الصرف الصحي”، أن التربة في بني الحارث، المروية بمياه صرف غير معالجة، تحتوي على معادن ثقيلة بنسب تفوق الحدود الآمنة عالميًا، مثل الرصاص، الزنك، النيكل، والمنغنيز (عنصر كيميائي.

تشكل هذه المعادن  تهديدًا مباشرًا للصحة وخصوبة الأرض، وقد جُربت بعض النباتات مثل الخردل الهندي ودوار الشمس للمعالجة النباتية وتقليل التلوث، إلا أن مستويات المعادن تبقى أعلى من الحدود الآمنة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية، ما يستدعي حلولًا أكثر فاعلية.

 ويحذر مدير دائرة الإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة والري حفظ الله القرضي، من أن “هذا النوع من الري يؤدي إلى تلوث المحاصيل والغذاء ويهدد الصحة العامة”. كما يوضح أن وزارة الزراعة نظمت حملات توعوية للمزارعين، لاسيما بعد تزايد حالات الكوليرا نتيجة الري بمياه الصرف الصحي غير المعالجة، لكن المزارعين يطالبون ببدائل واقعية.

في المقابل، قدّمت دائرة الإرشاد الزراعي مشروعًا يهدف إلى تشجيع زراعة نباتات الزينة أو الشتلات بالبيوت المحمية باستخدام مياه الصرف المعالجة جزئيًا، كبديل آمن وأكثر ربحية من الخضار المروية بمياه غير معالجة، بانتظار تمويل التنفيذ.

إلى ذلك، يقول نائب عميد مركز المياه والبيئة فضل النزيلي لـ”ريف اليمن”، إن تقييم حجم التلوث بدقة يواجه عوائق كبيرة، منها غياب الأجهزة الحديثة المتخصصة في قياس تلوث الهواء كالدول المتقدمة، وتكمن الأولوية حاليا بقياس مخاطر مياه الصرف الصحي على التربة والمياه الجوفية.

يضيف أن معظم الدراسات اليمنية تركّز على أثر المياه على الزراعة، في حين تظل الدراسات البيئية الشاملة نادرة بسبب ضعف التمويل.


الدعيس:الحلول تبدأ بمعالجة الصرف الصناعي في مواقع توليده قبل تصريفه إلى الشبكة مع إنشاء محطة إضافية تعمل بنظام الأكسدة الطبيعية


ويحذر النزيلي من أن اختلاط المخلفات الصناعية والمستشفيات مع مياه الصرف المنزلي أدى إلى نتائج خطيرة، تمثلت في وجود معادن ثقيلة وبكتيريا في التربة، وهو ما تم رصده في مزارع محيطة بالمحطة من خلال دراسات وتجارب زراعية.

نصوص قانونية لا تنفّذ

ينص قانون المياه رقم 33 لسنة 2002 على منع أي تصريف غير مرخص للمخلفات الصناعية والطبية، ويعاقب المخالفين بالسجن حتى ثلاث سنوات. كما يلزم قانون حماية البيئة رقم 26 لسنة 1995 الجميع بعدم إلحاق الضرر بالبيئة، ويطالب المنشآت بإعداد دراسات تقييم الأثر البيئي، مع منح الهيئة العامة الحق في التفتيش وفرض العقوبات.

رغم وضوح القوانين، تقلل ظروف الحرب والحصار الاقتصادي، بحسب مدير ادارة النفايات والمخلفات الخطرة بالهيئة العامة لحماية البيئة، حمزة الصلوي، من قدرة الهيئة على تطبيق الرقابة والتفتيش البيئي في الفترة المقبلة. وربما تساهم القيادة الجديدة للهيئة في متابعة جميع المنشآت وإلزامها بإجراءات معالجة الملوثات الناتجة عنهاـ بينما تظل محطة الصرف، بوضعها الإداري المستقل، خارج الرقابية الفعلية.

في هذا السياق، يرى الخبير البيئي والمستشار الأول للمياة والبيئة وليد صلاح، أن المشكلة تتجاوز الجانب التشغيلي، معتبرًا أن تجاوز السعة التصميمية للمحطة وخلط الصرف الصناعي والطبي بالمياه المنزلية يخلق “مزيجًا سامًا يصعب معالجته بالوسائل التقليدية”، ويؤدي إلى تسرب مياه غير معالجة تلوّث التربة والمياه الجوفية.

ويؤكد صلاح لـ”ريف اليمن”، أن المحطة تطلق ملوثات خطيرة مثل كبريتيد الهيدروجين، الأمونيا، وغازات الدفيئة مثل الميثان وأكسيد النيتروز، في ظل غياب رقابة بيئية حقيقية. ويلفت إلى أن الحل يبدأ بوقف الخلط الصناعي والطبي، وخفض الأحمال الداخلة، وإطلاق برنامج قياس فوري للمياه والهواء.

حلول على الورق

يشدد الدعيس على أن الحلول تبدأ بمعالجة الصرف الصناعي في مواقع توليده قبل تصريفه إلى الشبكة، مع إنشاء محطة إضافية تعمل بنظام الأكسدة الطبيعية لتخفيف الضغط على المحطة الحالية.

كما يرى أن تطبيق الضوابط الهندسية والإدارية في المواقع الخطرة أمر ضروري، إلى جانب التهوئة وزيادة المساحات الخضراء لحماية البيئة وصحة العاملين، وتوفير أدوات الحماية الشخصية لهم باعتبارها خط الدفاع الأخير. يضيف أنه يجب أن تصاحب هذه الإجراءات دراسة بحثية لتقييم تأثير الصرف الصناعي على أداء المحطة.

 وتجمع آراء الخبراء والمتخصصين والدراسات على أن خطر مياه الصرف الصحي غير المعالجة لم يعد مجرد قضية بيئية، بل قضية صحة عامة تتطلب إجراءات عاجلة.

ومن الإجراءات المقترحة وفقا للخبراء، منع استخدام المياه غير المعالجة في الزراعة بشكل فوري، وإلزام المصانع والمستشفيات بمعالجة مخلفاتها قبل التصريف، وتفعيل أجهزة القياس والرصد البيئي دوريًا، وإطلاق برامج توعية للمزارعين باستخدام آمن للمياه، فضلا عن توفير التأمين الصحي والفحوصات الدورية للعمال، وتحديث بنية المحطة بما يتناسب مع الأحمال الجديدة.


*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

شارك الموضوع عبر: