يُعد مرض الأكارين من أخطر الأمراض الطفيلية الداخلية التي تصيب نحل العسل، ويسببه أكاروس مجهري يتبع شعبة مفصليات الأرجل، وطائفة العنكبيات، ورتبة الأكارينا.
ويُعرف هذا الطفيل علمياً غالباً باسم Acarapis woodi، وهو غير مرئي بالعين المجردة نظراً لصغر حجمه الذي يتراوح بين 100 و200 ميكرون.
يهاجم طفيلي الأكارين الجهاز التنفسي للنحلة، وتحديداً القصبات الهوائية الصدرية الأمامية، حيث يعيش ويتكاثر داخل جسم العائل، ما يؤدي إلى إعاقة عملية التنفس، وإضعاف قدرة النحلة على الطيران، واضطراب وظائفها الحيوية، وانعكاس ذلك سلباً على قوة الطائفة وإنتاجيتها.
ويُصنّف المرض ضمن الأمراض الطفيلية الداخلية التي يصعب تشخيصها ميدانياً اعتماداً على الأعراض فقط، نظراً لتشابه علاماته مع أمراض أخرى مثل التسمم بالمبيدات أو بعض الأمراض الفيروسية.
مكان معيشة الطفيل داخل النحلة
يقضي طفيلي الأكارين كامل دورة حياته داخل القصبات الهوائية الأمامية للنحلة البالغة، حيث تتجمع جميع أطواره (بيض، يرقة، حورية، وبالغ)، ويؤدي هذا التمركز إلى انسداد جزئي أو كلي في القصبات، وتلف أنسجتها، ما يسبب خللاً فسيولوجياً واضحاً ينعكس على نشاط النحلة وتوازنها وحيويتها.
مواد ذات صلة
– الأمهات الكاذبة في النحل.. الأسباب وطرق العلاج
– طرق مكافحة ذئب النحل الوساد
– أسباب هجوم النحل على الخلايا وطرق الوقاية
طرق انتقال العدوى وانتشار المرض
تنتقل الإصابة بالأكارين أساساً عبر الاحتكاك المباشر بين النحل، وتحدث العدوى عندما تهاجم إناث الطفيل الشغالات الحديثة العمر، بعمر أقل من 7 إلى 10 أيام، حيث تكون القصبات الهوائية ما تزال لينة وغير مكتملة التصلب أو التغطية بالشعيرات.
وتقع الإصابة غالباً خلال أول 24 ساعة من خروج الشغالة من طور العذراء، إذ تدخل الإناث عبر فتحات التنفس وتستقر داخل القصبات الهوائية الصدرية.
وتشمل طرق الانتقال الرئيسية:
– الاحتكاك المباشر بين النحل داخل الخلية وعلى الأقراص.
– السرقة بين الخلايا القوية والمصابة.
– تجمع النحل في ظروف البرد.
– ازدحام المناحل وضعف التهوية.
– استخدام أدوات نحالة ملوثة.
– ضعف إجراءات النظافة والعزل.
دورة الحياة وطريقة التكاثر
تتميز دورة حياة الأكارين بالسرعة والكفاءة، ما يجعل المرض سريع الانتشار داخل الطائفة، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي:
– تبدأ الأنثى بوضع البيض بعد 3–5 أيام من التلقيح داخل القصبة الهوائية.
– تضع الأنثى خلال حياتها ما بين 5 إلى 15 بيضة، غالباً إناث مع وجود ذكر واحد.
– يفقس البيض إلى يرقات، ثم تتحول إلى حوريات تمر بعدة انسلاخات.
– تتحول الحورية إلى أكاروس بالغ بعد 10–15 يوماً.
– تكتمل دورة حياة الذكر خلال نحو 11 يوماً، بينما تحتاج الأنثى إلى حوالي 16 يوماً.
– تستطيع الأنثى إنتاج عدة أجيال متتالية داخل النحلة نفسها.
– تمضي الأنثى حياتها كاملة داخل القصبات الهوائية حتى تموت النحلة المصابة. وبعد نفوقها، تخرج الطفيليات البالغة من فتحات التنفس بحثاً عن عائل جديد.
ملاحظة: لا تستطيع أنثى الأكارين البقاء حية خارج جسم النحلة أكثر من بضع ساعات إلى 24 ساعة في أقصى الظروف، ما يجعل النظافة وإزالة الأعشاب المحيطة بالمنحل عاملاً حاسماً في كسر دورة العدوى.
الأعراض الظاهرية والسريرية للإصابة
تظهر أعراض الإصابة غالباً في أواخر الشتاء وأوائل الربيع، وقد تختلط مع أمراض أخرى، إلا أن الفحص الدقيق يكشف علامات مميزة، أبرزها:
أولاً: أعراض خارجية
– فقدان القدرة على الطيران، وملاحظة أعداد كبيرة من الشغالات تزحف على الأرض أو الأعشاب أمام الخلايا.
– تشوه وضع الأجنحة، بحيث تكون منفردة وغير متشابكة فوق الظهر، وكأن النحلة في وضع طيران دائم.
– انتفاخ بطن النحلة المصابة نتيجة اضطراب الجهاز التنفسي.
– اهتزاز وعدم اتزان أثناء الحركة.
– تدلي أجزاء الفم إلى الخارج.
– خروج بعض النحل للطيران ليلاً مع سماع صوت أزيز غير طبيعي.
– تساقط الشعيرات من منطقة الصدر، وتحول لونه إلى أسود مائل للفضي، وهي علامة متقدمة على الإصابة.
ثانياً: أعراض داخلية (تتطلب التشريح)
– انسداد القصبات الهوائية بمزيج من الطفيليات، ومخلفاتها، والأنسجة المتضررة.
– تغير لون القصبات من الشفاف الفاتح إلى البني أو الأسود.
تنبيه: تشير هذه العلامات غالباً إلى انتشار متقدم للطفيلي داخل الخلية.
التشخيص

لا يمكن الجزم بالإصابة اعتماداً على الأعراض الظاهرية فقط، ويُعد التشخيص المخبري بالمجهر الوسيلة المؤكدة، ويشمل:
– جمع عينة من 20–30 نحلة زاحفة أو حديثة النفوق.
– تشريح منطقة اتصال الرأس بالصدر بعناية.
– استخراج القصبات الهوائية الصدرية الأمامية.
– فحصها تحت المجهر بتكبير 40–100 مرة للكشف عن الطفيليات أو بيضها.
المكافحة المتكاملة وإدارة المنحل
تعتمد مكافحة مرض الأكارين على الإدارة المتكاملة والوقاية قبل العلاج، وتشمل ما يلي:
أولاً: الإجراءات الوقائية
– اختيار سلالات نحل متأقلمة وتُظهر مقاومة طبيعية.
– الحفاظ على خلايا قوية بملكات فتية.
– تقليل التكدس وتحسين التهوية داخل الخلايا.
– إزالة الأعشاب والحشائش من أرضية المنحل ومحيطه.
– إجراء فحوصات دورية، خصوصاً في الخريف وأوائل الربيع.
– تجنب إدخال طرود نحل مجهولة المصدر.
ثانياً: الإجراءات الميكانيكية والفيزيائية
– عزل الخلايا المصابة ونقلها لمسافة لا تقل عن 4–5 كيلومترات عن المناحل السليمة.
– التخلص من النحل المصاب والمتساقط بالحرق أو الدفن الصحي.
– في الحالات الشديدة جداً، قد يُنصح بتصفية الطوائف الضعيفة المصابة لمنع انتقال العدوى.
– تجميد الأقراص الفارغة عند -15 درجة مئوية لعدة أيام لقتل الطفيليات العالقة.
ثالثاً: المكافحة الكيميائية (بحذر)
– تُستخدم عند الضرورة وتحت إشراف مختص، وتشمل:
– المنثول.
– الزيوت العطرية مثل زيت الأوكالبتوس والكافور.
– بعض الأحماض العضوية مثل حمض الفورميك أو الأوكساليك.
تحذيرات هامة:
– الالتزام الدقيق بالتعليمات المدونة على العبوة.
– تجنب العلاج خلال موسم إنتاج العسل.
– التناوب بين المواد الفعالة لمنع تطور مقاومة.
– تركيز العلاج في الخريف والربيع عندما تكون الحضنة قليلة.
التوصيات العامة
– التركيز على الوقاية وتقوية الطوائف.
– عدم البدء بأي علاج دون تشخيص مؤكد.
– التخلص الدوري من النحل الميت والزاحف أمام الخلايا.
– تنظيف أدوات النحالة جيداً بين الخلايا.
– استشارة مختص عند الاشتباه بالإصابة أو لاختيار البرنامج العلاجي الأنسب.
إذً يُعد مرض الأكارين من الأمراض الخطيرة التي تُضعف نحل العسل وتجعله أكثر عرضة للأمراض الثانوية، ما ينعكس سلباً على الإنتاج والعائد الاقتصادي، وتمثل الإدارة الجيدة للمنحل، والمراقبة المستمرة، والتشخيص المبكر، الركيزة الأساسية للحد من آثاره والحفاظ على صحة طوائف النحل واستدامة مشاريع تربيته.

