تتصاعد مؤشرات كارثة إنسانية غير مسبوقة في محافظة حجة شمال غربي اليمن، إثر اتساع سوء التغذية الحاد لا سيما في مديريتي عبس وحيران؛ حيث باتت مخيمات النزوح تشهد حالات وفاة متزايدة بسبب الجوع وتفشي الأمراض.
يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات أطلقتها منظمات دولية من قفزة حادة في معدلات سوء التغذية بين الأطفال في مختلف أنحاء البلاد، وتحديداً في محافظة حجة، جراء التدهور المستمر للأوضاع الاقتصادية والمعيشية الناتجة عن تداعيات الحرب المستمرة منذ سنوات.
و أكدت منظمة أطباء بلا حدود تدفق أعداد متزايدة من الحالات الحرجة والمتقدمة إلى المستشفيات والمراكز الطبية التي تدعمها في المحافظات الشمالية، مما يضع ضغوطاً إضافية حادة على القطاع الصحي المتهالك في البلاد.
مواضيع مقترحة
- اليمن وأزمة الجوع: الأمن الغذائي المفقود خلال 2026
- الأمن الغذائي الريفي: 600 ألف أسرة زراعية بحاجة دعم
- مسؤول أممي: 22 مليون يمني يحتاجون مساعدات خلال 2026
المجاعة الصامتة
في فاجعة إنسانية شهدتها مخيمات النزوح بمديرية عبس في محافظة حجة، حيث فارقت “زوجة أبو هاشم” الحياة إثر صراع مرير مع المرض والجوع، بعد أسابيع من رحيل زوجها في الظروف المأساوية ذاتها.
تعكس الحادثة الصادمة حجم المعاناة الإنسانية البالغة التي يعيشها آلاف النازحين الذين شردتهم الحرب والحصار في ريف المحافظة؛ حيث كانت زوجة أبو هاشم تواجه وضعاً صحياً حرجاً للغاية وسط فقر مدقع وانعدام تام للرعاية الطبية والتموينية، مما حوّل رحيلها إلى نموذج حي لكارثة الجوع المتغلغلة في المنطقة.
ونقل الصحافي عيسى الراجحي -على منصة «فيسبوك»- تفاصيل المعاناة المريرة واليومية التي تكابدها الأسر النازحة داخل مخيمات مديرية عبس، مسلطاً الضوء على البيئة المعيشية الطاردة واللحظات الحرجة التي سبقت الفاجعة، ومحذراً من تفشي سوء التغذية الحاد.
عقب وقوع الوفاة، عبّر الراجحي بمرارة عن خيبة الأمل من تجاهل نداءات الاستغاثة قائلًا: “بالأمس ناشدنا الجميع لإنقاذها وقلنا إن كل ساعة تمر قد تعني فقدان حياة جديدة، واليوم نكتب الخبر الذي كنا نخشاه، زوجة أبو هاشم لحقت بزوجها وتركت خلفها حكاية موجعة عن أسرة هزمها الجوع قبل أن يهزمها المرض”.
وأكد الراجحي في شهادته أن ما توثقه عدسات الصحافة في الميدان ليس سوى جزء صغير من حقيقة مروعة تخفيها جدران الخيام الممزقة، مشيراً إلى أن خلف كل خيمة قصة مشابهة يندى لها الجبين، حيث ينتظر مئات النازحين من الشيوخ والنساء والأطفال دورهم في طابور الموت صمتاً جراء نقص الإمدادات الأساسية.

أطفال حجة بمواجه الموت
بحسب منظمة أطباء بلا حدود شكّل الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد ومضاعفاته الطبية الخطيرة الغالبية العظمى من تلك الحالات بواقع 1,106 أطفال؛ ما يمثل خطاً بيانياً تصاعدياً وزيادة مقلقة بلغت 19% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.
وأوضحت المنظمة الدولية أن فرقها الطبية في مستشفى عبس العام بمحافظة حجة استقبلت وعالجت 1,216 طفلاً يعانون من سوء التغذية، وذلك خلال الفترة الممتدة بين يناير ومايو من العام الجاري 2026، في مؤشر يعكس خطورة الوضع الإنساني الراهن.
وحذرت المنظمة من أن الارتفاع المتسارع يضع النظام الصحي المتهالك أمام تحدٍ حرج، مشددة على أن التقاعس عن اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة وممولة تمويلاً كافياً، سيؤدي حتماً إلى قفزة حادة في معدلات الوفيات التي يمكن الوقاية منها، لا سيما في ظل التلازم الطردي بين سوء التغذية وتفشي الأوبئة.
كما كشف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يواجهون حالياً خطر سوء التغذية الحاد؛ بفعل مزيج متداخل من استمرار الصراع، والانهيار الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، فضلاً عن إنهاك النظام الصحي، والنزوح المتكرر الناتج عن الصدمات المناخية كالفيضانات والجفاف.
وأمام هذا الوضع المعيشي المتفاقم وجه الصحافي “الراجحي” نداءً عاجلاً إلى الجهات المختصة، وفاعلي الخير، والمنظمات الإنسانية والإغاثية العاملة في محافظة حجة، بضرورة التدخل الفوري والطارئ لإنقاذ الحالات الحرجة، والالتفات العاجل لمعاناة آلاف الأسر النازحة في حجة وقال “إن التأخر في الاستجابة سيكلف مزيداً من الضحايا”.

النازحون في قلب المجاعة
ورغم التحذيرات الأممية عن المجاعة في اليمن، لم تورد أرقام خلال الفترة الماضية، لكن خلال السنوات الماضية برزت مديرية عبس في حجة كأكثر بؤرة لتوسع المجاعة، حيث يوجد فيها مخيمات للنزوح بسبب الصراع.
وفي أغسطس 2025، أفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن الوضع في مديرية عبس بمدينة حجة حرج إذ يواجه أكثر من 41 ألف شخص خطر المجاعة، نتيجة توقف المساعدات الغذائية، والتدهور الشديد للأراضي بسبب التغيرات المناخية.
وتعد مديرية عبس موطناً لثاني أكبر عدد من النازحين داخلياً في اليمن، غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال، بعد أن لجأ إليها عشرات الآلاف من الاشخاص هرباً من النزاع في مديرية حرض وشمال حجة، ويواجهون مخاطر متزايدة وصعوبات يومية.
ويوجد أكثر من 220 ألف نازح في مديرية عبس، فقدوا إمكانية الحصول على إغاثة طارئة منقذة للحياة منذ آذار/مارس 2025، وتعيش آلاف الأسر في مخيمات النزوح معاناة مستمرة، حيث لا تحصل على ما يكفي من الطعام أو الخدمات الأساسية، ويمثل كل يوم معركة يائسة ضد الجوع.
ولا يزال انعدام الأمن الغذائي أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع معدلات سوء التغذية في اليمن، وتُعدّ النساء والأطفال، والنازحون داخلياً، والمجتمعات المهمشة من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. وفق ما أفاد بيان مشترك لمنظمات أممية.
ووفق البيان الذي نشر في مطلع يونيو 2026 “لا تزال الأسر النازحة تواجه نقصًا حادًا في استهلاك الغذاء، وتعتمد بشكل متزايد على استراتيجيات تكيف سلبية”، ولفت “أن الزراعة وإنتاج الثروة الحيوانية وهما من أهم القطاعات الحيوية للأسر الريفية وأنظمة الغذاء”.
وحذرت المنظمة الدولية، من ان الزراعة والثروة الحيوانية “يتعرضان لضغوط شديدة نتيجة ارتفاع تكاليف المدخلات، والصدمات المناخية، وتفشي الآفات، ومخاطر الفيضانات، واضطراب سلاسل التجارة والإمداد”.
أرقام صادمة ومناشدات
حذّر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، من تفاقم متسارع لأزمة الجوع وسوء التغذية الحاد في اليمن، مؤكداً أن مؤشرات الحرمان الغذائي سجلت قفزة قياسية خلال شهر واحد فقط.
في إحاطة رسمية قدمها أمام مجلس الأمن الدولي، أشار بأن نسبة العاجزين عن تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية ارتفعت لتشمل ما يقارب 60% من السكان، في حين اتسعت دائرة الحرمان الأشد لتعصف بثلث اليمنيين، مما يستدعي استجابة دولية فورية لمنع كارثة إنسانية وشيكة.
وقال “إن دائرة الجوع الحاد باتت تحاصر أكثر من 18 مليون شخص (أكثر من نصف السكان)، وأن نحو 5 ملايين شخص في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة يواجهون جوعاً شديداً، ويعيش ربعهم في ظروف طارئة، وسط مخاوف متزايدة من تدهور أعمق للأوضاع في مناطق سيطرة الحوثيين جراء قيود الوصول ونقص البيانات الدقيقة.
وربط المسؤول الأممي هذا التدهور المتسارع بـ “أزمة التمويل الحرجة” التي تواجهها العمليات الإغاثية، حيث لم يتم استيفاء سوى أقل من 15% من خطة الاستجابة الإنسانية حتى الآن. وشدد فليتشر على أن أي خفض إضافي في الدعم المالي سيترجم مباشرة إلى حرمان ملايين المستفيدين من الوجبات الأساسية والرعاية الطبية الضرورية، مما يهدد بزهق المزيد من الأرواح وسلب مستقبل جيل كامل من الأطفال.





