في أطراف محافظة مأرب، شرقي اليمن، حيث تمتد الخيام بدل البيوت، لا يأتي العيد كما يعرفه الناس، بل يمر ثقيلا، محملا بذاكرة مزدحمة بالحنين والفقد والذكريات، فتبدو ملامح العيد باهتة، كأنها فقدت روحها في الطريق، ويتحول العيد من يوم للبهجة إلى ذكرى سنوية مؤلمة.
في مخيم “الرميلة” حيث تفترش الأسر الرمال وتلتحف السماء، يعيش “عبد الكريم صبر (34) عامًا” منذ ثمان سنوات تجربة النزوح بكل تفاصيلها القاسية، ولم يعد العيد بالنسبة له مناسبة للقاء والبهجة، بل تذكيرًا بما كان، ويؤكد أن أكثر ما يؤلمه ليس ضيق العيش، بل غياب الوجوه التي كانت تمنح العيد معناه.
يقول صبر لـ”ريف اليمن”: “حياتنا كانت مستقرة قبل تجرع ويلات النزوح، الذي تظهر معالمها جلية في أيام العيد من الوحدة والاغتراب ونحن نازحون من ذات المحافظة”، لافتا إلى أن أكثر ما يؤلمه ليس الفقر أو ضيق الحال، بل غياب الناس الذين كانوا يمنحون العيد معناه.
مواضيع مقترحة
- الريف.. وجهة اليمنيين لقضاء إجازة العيد
- البدو الرحل في لحج.. كيف يعيشون بقفار موحشة؟
- تجميع البلاستيك.. مهنة الفقراء التي تحمي البيئة
ويضيف: “في الماضي، كانت الزيارات تمتد من بيت إلى آخر، وتتعالى الضحكات في الأزقة، أما اليوم فلا يتجاوز الأمر مكالمة هاتفية أو رسالة مقتضبة. في المخيم يلتقي الناس للحظات بعد صلاة العيد، ثم يعود كلّ إلى خيمته، وكأن العيد مرّ مرور العابرين”.
ذاكرة الرماد والنار
تتزاحم في ذاكرة عبدالكريم صور قديمة لا تغيب؛ تفاصيل صغيرة، لكنها كانت تصنع العيد، ويقول: “كنا نجمع الرماد مع الوقود ونخلطها ببعض ونصنع من ذلك ناراً مشتعلة ونضعها على سقوف المباني ونطلق المفرقعات ابتهاجا، وأصوات الأطفال وضجيج الشوارع يملأ المكان حياة، أما اليوم لا نمتلك حتى مباني لنشعل عليها ولا نمتلك سوى تلك الخيام”.
يحاول صبر، مثل غيره، أن يصنع شيئاً من الفرح لأطفاله، حتى لو كان بسيطاً؛ قطعة ملابس جديدة، لعبة متواضعة، ألعاب نارية وجعالة العيد، يقول بصوت هادئ: “نحاول أن نزرع الفرح قدر ما نستطيع، وأشعر بأني أفضل من غيري في المخيمات كوني نازح من ذات المحافظة، مقارنة بمن نزحوا من مسافات ومحافظة بعيدة”.
ويقول إن أكثر عادة يفتقدها مقابلة الأهل والأصدقاء، وهو ما يؤلم قلبه حتى الآن منذ ثمانية أعوام، إذ لم يستطع زيارة أحد من أقربائه إلا عبر الاتصال الهاتفي، لكنه يعود وينصح رفقاءه النازحين أن يصنعوا فرحتهم بأنفسهم بالتسامح والتصافح رغم مرارات المسكن والشح المادي الذي يأمل أن يزول قريبا.

تعتبر مأرب إحدى أكبر مناطق جذب النازحين داخلياً في اليمن، وتشير التقارير الصادرة في أوائل عام 2025 إلى أن المحافظة تستضيف ما يزيد عن 2.3 مليون نازح، يتوزعون على أكثر من 200 مخيم وتجمع استمرت حركة النزوح إليها، حيث استقبلت نصف النازحين الجدد في اليمن خلال الربع الثالث من 2025، وتفاقمت الاحتياجات مع دخول فصل الشتاء.
مخيمات النزوح: فرحة مؤجلة
“جواهر محمد، 50 عاما”، نازحة منذ ثلاث سنوات من محافظة البيضاء، لم يعد العيد يعنيها كما كان، اختزلت المناسبة كلها في شيء واحد؛ الاهتمام بالأطفال ومحاولة إسعادهم، وتؤكد”: لم نعد نفكر بأنفسنا، فكل ما يشغلنا الشعور بالصغار وصنع شيء من البهجة لهم حتى لو كانت مؤقتة”.
تتذكر جواهر خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، كيف كان العيد قبل النزوح، حين كانت القلوب تمتلئ بالفرح، والبيوت تستعد بالملابس والزيارات، أما اليوم فتقول إن هذه التفاصيل تلاشت، ولم يبق سوى الاهتمام بالأساسيات، أما الكماليات، فتقول: “نسيتها منذ أن وطئت أقدامنا هذه الخيام الممزقة، وأصبحت جزءا من حياة بعيدة”.
في قصص النازحين، نجد التباين الصارخ؛ فبينما كان العيد سابقاً يكتمل بالكماليات والزينة، صار العيد في مخيمات النزوح يقتصر على “الأساسيات” التي تُبقي المرء على قيد الحياة، فجواهر لا تطلب الرفاهية، بل تحنّ لليوم الذي كانت فيه فرحة العيد تشمل قلبها هي أيضا، وليس فقط قلوب من حولها.
عبد السلام المخلافي: غياب طقوس العيد عند الأطفال قد يزرع لديهم شعوراً بالحرمان ويؤثر على صحتهم النفسية ويترك أثارا عميقة
يشير مختصون في الصحة النفسية إلى أن العيد يفقد معناه الحقيقي حين تغيب طقوسه الاجتماعية، ويقول الطبيب النفسي “عبدالسلام المخلافي” إن العيد ليس مجرد يوم، بل حالة من التفاعل الإنساني، من الزيارات والتواصل والشعور بالانتماء، ويضيف: “عندما تختفي هذه التفاصيل، يتحول العيد إلى يوم عادي، بل وربما أكثر قسوة، حيث يزداد الحنين للوطن والمنزل والذكريات بدلاً من التحضيرات والفرحة”.
معاناة مضاعفة
يوضح المخلافي أن هناك معاناة مضاعفة لتأمين الاحتياجات الأساسية؛ مما يجعل العيد رفاهية لا يمكن التفكير فيها وسط المعاناة اليومية، فيغيب الفرح بدل حضوره، وبدون صلاة العيد في مسجد الحي، وبدون زيارة الأقارب وتبادل التهاني، يفقد العيد معناه الاجتماعي والديني، ما يترك آثارا عميقة في نفوسهم.
أما الأطفال فهم الأكثر تأثراً – بحسب المخلافي – لأن ذاكرتهم العاطفية تتشكل بهذه المناسبات بسبب غياب طقوس مثل شراء الملابس الجديدة، أو تناول الحلويات مع الأقارب، أو اللعب مع أطفال الجيران، يجعل العيد مجرد يوم عادي ومخيب للآمال هذا قد يزرع لديهم شعوراً بالحرمان والحزن والغضب ويؤثر على صحتهم النفسية وتطورهم العاطفي.
وتؤكد الطبيبة النفسية “زمزم محمد” أن للنزوح تأثيراً كبيراً وخاصة في المناسبات مثل الأعراس والأعياد حيث إن كثيراً من النازحين لا يوجد لديهم أي أقارب فتكون فرحة العيد عندهم ناقصة، فالعيد اجتماع الأهل والأقارب وصلة الأرحام والمعايدة عليهم، وبغير ذلك تكون فرحة العيد ناقصة بشكل كبير.

في مواجهة هذا الواقع، تحاول بعض المبادرات الإنسانية أن تخفف من قسوة المشهد، تقول مديرة مبادرة حمامة السلام الدكتورة “آية العمري” إنهم يسعون إلى إدخال شيء من الفرح على قلوب الأطفال، من خلال توفير ملابس العيد والهدايا، بدعم من فاعلي الخير.
وتؤكد العمري لـ “ريف اليمن”، أن “المبادرة تحاول الاستعداد للعيد قبل وقت كاف من خلال حصر الأسر الأشد احتياجاً داخل المخيمات، خصوصاً الأيتام والأرامل والمرضى، وبعدها نبدأ بالتواصل مع فاعلي الخير لتوفير كسوة العيد للأطفال، والعيديات، والسلال الغذائية”.
صرخة خلف الخيمة
وتضيف:” نقوم أحيانا بأخذ بعض الأطفال أو الأمهات إلى السوق بأنفسهم ليختاروا ملابس العيد، ثم نقوم نحن بدفع المبلغ عند المحاسب. نفعل ذلك حتى يشعروا أنهم هم من اختاروا ملابسهم بفرح، وليس مجرد شيء أُعطي لهم، وهذا يحفظ كرامتهم ويجعل فرحة العيد أكبر في قلوبهم”.
وتشير إلى أن تفاعل فاعلي الخير في موسم العيد يزداد، لأن الناس تحب أن تدخل الفرحة على قلوب المحتاجين في هذه الأيام المباركة، وكثير من المتبرعين يحرصون على أن تكون لهم بصمة في العيد، سواء من خلال كسوة الأطفال أو العيديات أو دعم الأسر المحتاجة، وهذا يعطينا دافعا أكبر للاستمرار في العمل الإنساني.

من بين القصص التي تختصر عمق الألم الإنساني في المخيمات، تروي آية العمري حكاية طفلٍ صغير تمسّك بالأمل رغم قسوته، ورفض استلام ملابس جديدة، مؤمنًا أن والده سيعود ليشتري له ما يشاء، رغم أن الأب غاب منذ سنوات.
تقول العمري إنها دخلت يومًا إلى إحدى الخيام فوجدت أسرة تفترش الأرض، وأربعة أطفال يلتفون تحت بطانية واحدة اتقاءً للبرد، وما إن دخلت حاملة بعض الملابس حتى التفّ الأطفال حولها بلهفة، كان بينهم طفل في العاشرة من عمره، نادته ليأخذ نصيبه، لكنه رفض قائلاً ببراءة ممزوجة بالوجع: “لا أريد صدقة… أبي سيعود ويشتري لي”.
وتتابع أنها سألت والدته عن الأب، فأخبرتها أنه متوفٍ منذ أربع سنوات، غير أن الطفل لا يزال ينتظره كل يوم، وحين سمع حديثها، انفجر باكيًا وهو يردد بإصرار موجع: “أبي ما مات… أبي بيرجع… أبي بيشتري لي سيكل”.
وتؤكد العمري أن هذا الموقف ظل عالقًا في ذاكرتها، لأنه يجسّد حجم المعاناة التي يعيشها أطفال المخيمات، معاناة لا تتوقف عند حدود الفقر، بل تمتد إلى فقدان الأمان وحنان الأب، وحرمان الطفولة من أبسط حقوقها.

