في صباح رطب من سهول تهامة، يقف المزارع موسى جيحان على أطراف حقله في مديرية باجل، يراقب تحوّل ألوان ثمار البسباس والطماطم، ويغرس كفّه في تربة ما تزال تحتفظ بندى الأمطار الأخيرة، ويقول: “نحن نزرع في الشتاء والصيف البسباس، الطماطم، الذرة، الباميا، وكل محصول له وقته ومدته”.
ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تختصر طبيعة الزراعة اليمنية التي لا تخضع لموسم ثابت أو نمط واحد، بل تتحرك وفق جغرافيا شديدة التنوع، ومناخ متقلب، ودورات إنتاج متداخلة تختلف من منطقة إلى أخرى، وتتبدل فيها المواسم بين البسباس والطماطم والذرة والباميا، ولكل محصول توقيته وإيقاعه.
هذا المشهد الصغير ليس مجرد حكاية مزارع، بل صورة مكثفة لواقع آلاف المزارعين الذين يواجهون الطبيعة بجهد يومي وصبر طويل، في بلد يعتبر القطاع الزراعي المصدر الرئيسي للإنتاج الغذائي المحلي وجزءًا بالغ الأهمية في تعزيز الأمن الغذائي.
يقول الباحث يحيى العنسي، إن الزراعة في اليمن لا تخضع لتقويم زمني جامد، بل تتحرك ضمن دورة موسمية مرنة تتشكل وفق تغيرات المناخ وتوزيع الأمطار؛ ففي أواخر أغسطس، تنطلق زراعة الذرة البيضاء والسمسم والقطن في سهول تهامة، بالتوازي مع زراعة الحلبة والخردل في المرتفعات، في مشهد يعكس تباين البيئات الزراعية وتكاملها.
مواضيع مقترحة
- ليبيا دماج: الزراعة في اليمن القديم إرث حضاري ملهم
- بسبب التغيرات المناخية.. هل تتغير مواسم الزراعة؟
- دلتا أبين تفقد ذهبها الأبيض بسبب الجفاف والإهمال
دورة موسمية
مع منتصف سبتمبر، يبدأ أول حصاد فعلي لمحاصيل الذرة والدخن، لتتوسع بعدها أنشطة الزراعة والحصاد تدريجيًا حتى شهر نوفمبر، حيث تبلغ المحاصيل ذروة نضجها، وفي ديسمبر، تتجه الأنظار إلى استكمال زراعة القمح والشعير، إيذانًا بانطلاق دورة إنتاج جديدة تمتد آثارها حتى فصلي الربيع والصيف.
ووفقا للباحث العنسي، فإنه خلال الفترة اللاحقة، تستمر زراعة المحاصيل الصيفية مثل الذرة والدخن والسمسم، فيما يبدأ حصاد الشعير والعدس في يونيو، معلنًا بداية دورة زراعية جديدة. وبهذا، لا تتعاقب المواسم في اليمن بشكل منفصل، بل تتداخل وتتشابك، لتشكل إيقاعًا زمنيًا متواصلًا يعكس خصوصية الزراعة اليمنية وارتباطها العميق بالطبيعة.
وبحسب كتاب الدكتور أمين الحكيمي بعنوان الزراعة في البيئة اليمنية (2024)، فإن فهم الزراعة في اليمن يبدأ من الجغرافيا، وتحديدًا من عامل الارتفاع عن سطح البحر بوصفه المحدد الأبرز لأنماط الإنتاج الزراعي.
المرتفعات الشاهقة التي تتجاوز 3000 متر، تنخفض فيها درجات الحرارة بشكل ملحوظ، ما يهيئ بيئة مثالية لزراعة الحبوب والبقوليات مثل القمح والشعير والفول والعدس، إلى جانب النباتات البرية والعطرية كالزعتر وبعض الأشجار المحلية التي تتكيف مع المناخ البارد.
ومع الانخفاض التدريجي في الارتفاع، تتسع الخريطة الزراعية وتتنوع محاصيلها، لتشمل البن والعنب والرمان واللوز، فيما تبرز الذرة الرفيعة كمحصول استراتيجي في المناطق متوسطة الارتفاع، إلى جانب محاصيل أخرى مثل الدخن والحلبة، التي تتلاءم مع الخصائص المناخية والبيئية للمناطق الجبلية.
العنسي: الزراعة في اليمن لا تخضع لتقويم زمني جامد، بل تتحرك ضمن دورة موسمية مرنة تتشكل وفق تغيرات المناخ وتوزيع الأمطار
أما في السهول الساحلية، فتتغير ملامح الزراعة بشكل جذري، حيث تسود محاصيل المناطق الحارة والرطبة مثل الذرة الشامية والنخيل، إلى جانب الفواكه الاستوائية كالموز والمانجو والبابايا والتين الشوكي.
المحرك الخفي للإنتاج
وتلعب السيول الموسمية في هذه المناطق دورًا حاسمًا، ليس فقط في ريّ الأراضي، بل في تجديد خصوبة التربة وإعادة تشكيلها، ما يمنح الزراعة طابعًا ديناميكيًا يرتبط بإيقاع الطبيعة وتقلباتها.
يُعدّ المناخ العامل الأكثر حسمًا في تشكيل ملامح النظام الزراعي في اليمن، إذ لا يقتصر تأثيره على تحديد توقيت الزراعة، بل يمتد ليشمل نوعية المحاصيل نفسها.
ويوضح المهندس الزراعي صديق جبريل لـ”ريف اليمن”، أن التباين المناخي بين المناطق يفرض أنماطًا مختلفة من الزراعة؛ فمحاصيل مثل الطماطم يمكن زراعتها صيفًا في المرتفعات ذات المناخ المعتدل، بينما تُزرع شتاءً في المناطق الدافئة، في حين تتطلب الحبوب درجات حرارة أقل واستقرارًا مناخيًا أكبر لضمان إنتاجيتها.
ويشير جبريل إلى أن مفهوم “الحرارة التراكمية”، يمثل أحد المفاتيح العلمية لفهم ديناميكيات نمو النباتات، حيث تتسارع عملية النضج في السهول الحارة، بينما تتباطأ في المرتفعات الباردة، وهو ما ينعكس مباشرة على مواعيد الحصاد ودورات الإنتاج.
ويلفت إلى أن هذا التفاوت يمنح الزراعة اليمنية مرونة زمنية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات تتعلق بإدارة المواسم وتوقيت العمليات الزراعية بدقة.

من جانبه، يلفت عادل الهجامي، دكتور البستنة بجامعة صنعاء، إلى أن الموسم الزراعي في اليمن يمتد غالبًا من مارس حتى أكتوبر، مدفوعًا بتعدد الأقاليم المناخية وتنوعها.
ويؤكد أن هذا التنوع يتيح زراعة المحصول الواحد أكثر من مرة خلال العام، ولكن في مناطق مختلفة؛ فمحصول الطماطم، على سبيل المثال، يُزرع صيفًا في المرتفعات والمناطق المعتدلة، بينما ينتقل إلى المناطق الدافئة خلال فصل الشتاء، في نموذج يعكس قدرة الزراعة اليمنية على التكيف مع اختلاف المناخات، وتوظيفها لصالح استمرارية الإنتاج.
توزيع الإنتاج
بدوره يقول المختص الزراعي عبدالعليم العبسي لـ”ريف اليمن” إن الموسم الصيفي يُعدّ العمود الفقري للزراعة اليمنية، إذ يتركز فيه إنتاج محاصيل الذرة الرفيعة والذرة الشامية والدخن والسمسم، إلى جانب الخضروات المختلفة.
وفي المقابل، يرتكز الموسم الشتوي على زراعة القمح والشعير والبقوليات، مع اعتماد كبير على توفر المياه واستقرار الهطول المطري لضمان نجاح الإنتاج.
ويضيف العبسي أن بعض المحاصيل مثل الطماطم والبصل والبطاطس لا ترتبط بموسم زراعي واحد، بل يمكن إنتاجها عدة مرات خلال العام، وفق اختلاف المناطق المناخية ودرجات الحرارة، ما يمنح الزراعة اليمنية قدرًا من المرونة في تلبية الطلب المحلي المستمر.
لمواجهة تقلبات المناخ والسوق، يتجه المزارعون إلى التنويع الزراعي كخيار استراتيجي لتقليل المخاطر وضمان استمرارية الإنتاج، ويوضح الدكتور عادل الهجامي أنه يتم تقسيم المحاصيل إلى مبكرة ومتوسطة ومتأخرة، بما يتيح توزيع الجهد الزراعي وتفادي خسائر المواسم المفاجئة.
وفي دلتا أبين، يقدم مدير قسم الإرشاد الزراعي باسم عقيل، نموذجًا أكثر تنوعًا في إدارة الإنتاج، حيث تُزرع محاصيل السمسم والفول السوداني والذرة الرفيعة والبطيخ والشمام والطماطم والخضروات خلال فصل الخريف، بينما يُخصص الشتاء لزراعة الذرة والدخن، في حين تُستخدم أشهر الصيف لإنتاج الأعلاف، في استجابة مباشرة لارتفاع درجات الحرارة وشح المياه.
ذروة الحصاد
يشير كتاب أمين الحكيمي (2024) إلى أن موسم الحصاد في اليمن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدورات الأمطار، نظرًا لهيمنة الزراعة المطرية.
ويشهد اليمن موسمين مطريين رئيسيين (مارس–مايو) و(يوليو–أكتوبر)، وهما اللذان يحددان بشكل مباشر مواعيد النضج والحصاد، بينما تتراجع الأنشطة الزراعية في الشتاء، حيث تُستكمل عمليات الحصاد أو تُهيأ الأرض للموسم التالي.
يشهد اليمن موسمين مطريين رئيسيين (مارس–مايو) (يوليو–أكتوبر)، وهما اللذان يحددان بشكل مباشر مواعيد النضج والحصاد
وبحسب التقويم الزراعي الذي ينقله الباحث يحيى العنسي، تبدأ ذروة الحصاد في منتصف سبتمبر، مع انطلاق أولى عمليات جني محاصيل الذرة والدخن بعد اكتمال نضج السنابل، ثم تتوسع تدريجيًا حتى نوفمبر، حيث تكتمل معظم المحاصيل، مع تسجيل ذروة واضحة في مناطق تهامة والسهول الدافئة.
ويُفهم من هذا التسلسل أن الفترة الممتدة من سبتمبر إلى نوفمبر تمثل قلب الموسم الحصادي في اليمن، قبل أن تبدأ دورة جديدة في ديسمبر مع حراثة الأراضي والاستعداد للزراعة الشتوية.
أما في المرتفعات، يختلف توقيت الحصاد نسبيًا بفعل انخفاض درجات الحرارة، إلا أنه يشمل محاصيل متعددة من أنواع الذرة، بما يعكس تنوع البيئات الزراعية وتفاوت نضج المحاصيل بحسب الارتفاع. وفي دورة أخرى من العام، يبدأ موسم حصاد الشتاء في منتصف يونيو، ويشمل محاصيل مثل الشعير والعدس في المناطق المرتفعة.

ويؤكد المختص الزراعي عبد العليم العبسي، أن دورة الوصول إلى الحصاد تتراوح غالبًا بين 90 و120 يومًا بحسب نوع المحصول، مع تأثير مباشر لدرجات الحرارة والأمطار على سرعة النضج، حيث تتسارع الدورة في المناطق الساحلية مقارنة بالمرتفعات.
ومن خلال التجربة الميدانية، يوضح المزارع موسى جيحان أن العديد من المحاصيل الموسمية مثل الطماطم والفلفل والذرة تحتاج نحو ثلاثة أشهر للوصول إلى الحصاد، في حين تمتد دورة محاصيل أخرى مثل المانجو لفترات أطول بكثير، ما يعكس التباين الواضح بين المحاصيل قصيرة وطويلة الدورة في النظام الزراعي اليمني.
أنماط إنتاج متعددة
رئيس قسم المحاصيل والنبات الزراعي في جامعة لحج، الدكتور باسل الكور، أكد أن الزراعة في اليمن لا تقوم على نموذج إنتاجي واحد، بل تتوزع إلى أنماط متعددة تتشكل وفق التباينات الجغرافية والمناخية؛ فالمناطق الساحلية تعتمد بدرجة كبيرة على السيول الموسمية، ما يمنحها قدرة على إنتاج محاصيل متعددة الدورات خلال العام، بينما ترتكز الزراعة في المرتفعات على الأمطار الموسمية، وغالبًا ما تكون دورة الإنتاج فيها محدودة بموسم زراعي واحد.
باسم عقيل: المزارع يعتمد في عمله على الخبرة المتراكمة وفهم المناخ والتقويم الزراعي العملي أكثر من اعتماده على الجداول النظرية
ويضيف الكور لـ”ريف اليمن”، أن هذا التباين لا يقتصر على الحبوب والمحاصيل النقدية، بل يمتد إلى الفواكه أيضًا؛ حيث تنجح زراعة المانجو والبابايا في البيئات الساحلية الحارة والرطبة، في حين تتفوق محاصيل التفاح والعنب والرمان في المرتفعات الباردة نسبيًا، في مشهد يعكس تداخل المناخ مع طبيعة التربة وتشكيل خريطة إنتاج زراعي شديدة التنوع داخل بلد واحد.
كما يضيف باسل الكور بُعدًا تطبيقيًا مهمًا، موضحًا أن محاصيل مثل السمسم إذا زُرعت في سبتمبر تُحصد في يناير، بينما تمتد دورات حصاد محاصيل أخرى بين أغسطس وديسمبر وفق توقيت الزراعة والسيول الموسمية، خاصة في المناطق الساحلية.
ويلخص المزارع باسم عقيل جوهر التجربة الزراعية اليمنية، قائلاً إن “الزراعة في اليمن ليست تقويمًا ثابتًا ولا مواعيد تُكتب على الورق، بل هي ممارسة مرتبطة مباشرة بالمطر والحرارة ونوع الأرض وطبيعة المحصول نفسه؛ فلكل محصول توقيته الخاص، وأي خروج عن هذا التوقيت قد يؤدي إلى ضعف الإنتاج أو خسارة الموسم بالكامل”.
ويضيف، أن المزارع اليمني يعتمد في عمله على الخبرة المتراكمة، وفهم المناخ، والتقويم الزراعي العملي أكثر من اعتماده على الجداول النظرية، لأن الزراعة بطبيعتها متغيرة تتبدل بتغير الطقس والمطر، وليست نشاطًا ثابتًا من عام إلى آخر.

