دخل العالم عصر ‹الإفلاس المائي› وفق الأمم المتحدة الذي رأت بأن مصطلحا ‹الإجهاد المائي› و ‹أزمة المياه› ليسا كافيين لوصف واقع المياه الجديد حيث إن أنظمة المياه أصبحت قادرة على العودة إلى مستوياتها السابقة.
وحذر تقرير جديد صادر عن معهد الأمم المتحدة للدراسات الأكاديمية والبحوث (UNU) من أن النشاط البشري على مدار سنوات خلّف أضراراً لا يمكن إصلاحها في إمدادات المياه في العالم ودفع إلى حقبة من الإفلاس المائي العالمي.
وأوضح التقرير “أن عشرات السنوات من إزالة الغابات والتلوث وتدهور التربة والإفراط في استخدام المياه والاستنزاف المزمن للمياه الجوفية فاقم الاحترار العالمي وتسبب بأضرار لا يمكن عكسها لإمدادات الكوكب من المياه وقدرته على التعافي”.
وتجاوزت العديد من الأنهار والبحيرات والخزانات الجوفية والأراضي الرطبة والأنهار الجليدية نقاط التحول، ولا يمكنها العودة إلى مستوياتها السابقة، مما يعني أن مصطلح الأزمة المؤقتة لم يعد دقيقا في العديد من المناطق. ووفق التقرير.
وأفاد تقرير معهد الأمم المتحدة “إن ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في بلدان مصنفة على أنها ‹غير آمنة مائيا› أو ‹غير آمنة بشدة مائيا›، وأن أربعة مليارات شخص يواجهون ندرة شديدة في المياه خلال شهر واحد على الأقل سنويا.
ماذا يعني الإفلاس المائي؟
يعرّف تقرير جامعة الأمم المتحدة الإفلاس المائي بأنه “سحبٌ مفرط ومستمر من المياه السطحية والجوفية مقارنة بالتدفقات المتجددة ومستويات الاستنزاف الآمنة”، ويختلف ذلك عن ‹الإجهاد المائي› الذي يعكس أوضاعا ضاغطة لكنها قابلة للعكس، وعن ‹أزمة المياه› التي تُستخدم لوصف صدمات حادة يمكن تجاوزها.
وقال مدير معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة كافة مدني “من الناحية العملية، يجمع الإفلاس بين “الإعسار وعدم القابلية للعدول عن المسار”، أن الإعسار يعني “أننا نستنزف ونلوث المياه بما يتجاوز التدفقات المتجددة وحدود الاستنزاف الآمنة”.
وعدم القابلية للعدول عن المسار، تعني وفق مدني “أننا ألحقنا أضرارا بأجزاء رئيسية من رأس المال الطبيعي المرتبط بالمياه بطرق لا يمكن الرجوع عنها واقعيا على المدى الزمني البشري، أو ستكون تكلفة استعادتها باهظة للغاية”.

وفي مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة الثلاثاء 20 يناير/ كانون أول 2026، قال مدني “لا يزال أكثر من ملياري شخص يفتقرون إلى مياه الشرب المدارة بشكل آمن، و3,5 مليار شخص يفتقرون إلى خدمات الصرف الصحي المدارة بشكل آمن”.
وهذه ليست مشكلة المناطق القاحلة فحسب، وفق مدني الذي اعتبر “إن أزمة المياه لا تتعلق بالجفاف فقط، بل تتعلق بعدم التوازن بين موارد المياه واستهلاكها، وتآكل رأس المال الطبيعي”.
وقال “الإفلاس ليس نهاية المطاف، بل هو بداية خطة تعافٍ منظمة. يجب وقف النزيف، وحماية الخدمات الأساسية، وإعادة هيكلة المطالبات غير المستدامة، والاستثمار في إعادة بناء قطاع المياه”.
الزراعة واستهلاك المياه
وتستحوذ الزراعة الغالبية الساحقة من استخدامات المياه العذبة وقال مدني “أن آثار ندرة المياه على الزراعة تمتد إلى الأسواق العالمية والاستقرار السياسي والأمن الغذائي في أماكن أخرى، ما يعني أن الإفلاس المائي ليس سلسلة من أزمات محلية معزولة، بل خطراً عالمياً مشتركاً”.
وأشار التقرير أن 50 بالمئة من البحيرات الكبيرة حول العالم فقدت مياهها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي مع اعتماد 25 بالمئة من البشر مباشرة على هذا المصدر المائي، فضلاً عن عشرات الأنهار الكبرى التي لم تعد تصل إلى البحر.
وفُقد حوالي 35 بالمئة من الأراضي الرطبة الطبيعية خلال 50 عاماً، وزاد فقدان الأنهار الجليدية عالمياً منذ سبعينيات القرن الماضي بنسبة 30 بالمئة، كما ألحقت الملوحة ضرراً بنحو 100 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، فيما تظهر 70 بالمئة من طبقات المياه الجوفية الكبرى التي تحتجز وتنقل المياه الجوفية تراجعاً طويل الأمد. وفق التقرير.
وكشف التقرير، أن أكثر من 170 مليون هكتار من الأراضي الزراعية المروية، وهي مساحة أكبر من مساحة إيران، تعاني من إجهاد مائي “مرتفع” أو “مرتفع جدا”، وأن الأضرار الاقتصادية الناجمة عن تدهور الأراضي واستنزاف المياه الجوفية وتغير المناخ تقدر بنحو 307 مليار دولار سنويا حول العالم.
يحدد التقرير نمطا متزايدا من “الجفاف الناتج عن النشاط البشري”، وفي عامي 2022 و2023 “عاش ما يقرب من ملياري شخص في ظل ظروف الجفاف”.
ماهي الحلول؟
ويعد التقرير في المقام الأول تشخيصا، وليس دليلا لحلول جاهزة تناسب الجميع، وفق مدني الذي حذر من “الحلول السريعة التي تنتج روايات مطمئنة ووعودا غير واقعية وسياسات تفشل في التطبيق العملي”.
دعا تقرير الأمم المتحدة، إلى انتقال عاجل من الاستجابات الطارئة قصيرة الأجل إلى استراتيجية مدروسة تمنع المزيد من الأضرار التي لا رجعة فيها، وتقلل الطلب وتعيد توزيعه، وتحول القطاعات كثيفة الاستخدام للمياه، وتتصدى لعمليات سحب المياه غير القانونية والتلوث، وتضمن انتقالات عادلة لأولئك الذين يجب أن تتغير سبل عيشهم.
وشد مدير معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة على أن “المياه تعد قاسما مشتركا عمليا يربط بين المناخ والتنوع البيولوجي والأراضي والغذاء والصحة والاستقرار، وإن الاستثمار في المياه حقيق الأهداف المتعلقة بهذه المجالات، وإعادة بناء التعاون في عالم يعاني من التشرذم”.
وقال مختتماً حديثة “رسالتنا ليست لبث اليأس، بل الوضوح، فكلما واجهنا الموقف الحقيقي مبكرا، زادت الخيارات المتاحة لدينا. وكلما طال أمد تأخيرنا، كلما حولنا التوتر الذي يمكن السيطرة عليه إلى خسائر لا رجعة فيها في جميع أنحاء العالم”.
وقال نائب الأمين العام للأمم المتحدة تشيليدزي ماروالا: “الإفلاس المائي يتحول إلى محرك للهشاشة والنزوح والصراع، وإن إدارته بشكل عادل، مع ضمان حماية المجتمعات الهشة بإنصاف أمرا محوريا للحفاظ على السلام والاستقرار والتماسك الاجتماعي”.

